الأبعاد الإنسانية والوطنية والقانونية في قضية الإمام الصدر

calendar icon 11 كانون الأول 2003 الكاتب:مار نصرالله بطرس صفير

* مثله المطران بولس مطر

* مؤتمر "كلمة سواء" السنوي الثامن: "الأبعاد الإنسانية والوطنية والقانونية في قضية الإمام الصدر"



أيها الأحباء،

يشرفني شرفاً كبيراً أن يجدد صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار نصر الله بطرس صفير بطريرك إنطاكية وسائر المشرق الكلي الطوبى انتدابي لتمثيله في هذا المؤتمر الثامن حول كلمة سواء الذي يدعو إليه مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات، إنه لقاء يبغي في كل عام ان نتذكر المثل العليا التي حاولوا تغييبها عنا بتغييب من جسدها في ما بيننا بامتياز، فيما هي واجبة الحضور في مسيرتنا لتبقى مسيرتنا محصنة بالحق ومجمّلة بالضياء.

ونعم ما أراد منظمو جمعنا لهذا العام عندما ارادوا تسليط الضوء على أبعاد ثلاثة تعرفها قضية الإمام موسى الصدر في تغييبه. على ان روحه في الحقيقة لا تغيب. وللإنجيل المقدّس دعوة إلى عدم الخوف ممن يسيء إلى الجسد ولا يستطيع ان يسيء إلى النفس، وإلى الخوف بالأحرى ممن يستطيع أن يهلك النفس والجسد في جهنّم. فتمثل هذه الأبعاد أمام عيوننا والضمائر داعية ايانا إلى التأمل بالقيم الإنسانية والوطنية والأخلاقية العامة التي رفع الإمام لواءها في سماء لبنان والمنطقة، والتي أنذر تغييبه بانتكاسة لها باتت تعرف اليوم في اتساعها مدى عاماً وعالمياً.

وهل يمكن التصور أولاً ان النزعة الإنسانية عند الإمام الصدر تحمل إساءة إلى أية جهة كانت أو إلى أي موقع كان؟ إن منحاه هذا سيبقى خالداً وهو الذي جاهر بإيمانه المسلم في الكنائس مثلما جاهر به في المساجد، وقد فتحت له مجامع القلوب لأنه تخطى التمييز أمامها بين المؤمن والمؤمن وجعل من الاثنين واحداً في الإنسانية حتى ولو كانت الفروقات قائمة وفي بعض عناصرها جوهرية بين دين ودين. لقد تجرأ الإمام الصدر بقوله أن المؤمن المسيحي هو أخ للمؤمن المسلم ولم يحصر الأخوة ضمن حدود الدين الواحد، ولا القومية الواحدة ولا الإنتماء الواحد أياً كان نوعه. وكان من المرتقب ألا يروق مثل هذا المنحى الفكري والعملي لناظر أولئك الذين دخلت التفرقة إلى قلوبهم قبل أن تستقر في عقولهم وفي تصوراتهم العتيقة؟ إن صراع الحضارات الذي يروج له اليوم ليس دخيلاً على الفكر الإنساني بل هو ملازم لبدائية عرفها التاريخ الإنساني في انطلاقاته الأولى وما يزال يجرجر ذيولها بين فور وغور إلى أيامنا هذه. هذا فيما الله واحد أحد والأديان طرق إليه وهو سبحانه يهدي من يشاء واليه مآل الكل في اليوم الأخير. لذلك فإن قتل إنسان لإنسان باسم الله بصبح قمة الكفر وعين التنكّر للذي يرحم الناس جميعا ويحبهم محبة الأب لأبنائه والخالق لخليقته.

لقد واجه الإمام الصدر بإنسانيته الشفافة مصدرين اساسيين لضعف المجتمعات العربية وتقصيرها في مواكبة التقدم نحو الأرقى. إنهما على التوالي مصدر الانغلاق الديني على الآخر وهو أمر لا يريده الدين لا في المسيحية ولا في الإسلام، ومصدر التفاوت الاجتماعي الذي يقسم الناس بين محرومين ومتخومين فتهزل أمامه وحدة النسيج القومي وتفقد قوة الدفع باتجاه محدد نحو حسن المصير. لهذا فإن أي كفر يتمسك بمثل هذه الأثقال والشوائب لا بد له من ان يصطدم بالداعين إلى التخلي عنها وإلى التحلي بصفات الوحدة المجتمعية على أسس من الإنسانية النيرة والمنيرة. فتقع المأساة ويصبح الصلاح والمصلحون في خبر العداوة المجتانية والتغييب المخزي.

أما البعد الوطني لتغييب الإمام الصدر فهو يتمثل في الفرق الشاسع بين مساهمة هذا القائد الكبير في عملية توحيد لبنان وبين تقويض فرص النجاح في مثل هذا التوحيد، عبر إزاحة العاملين من أجله والمضحين في سبيله. لقد أريد يوماً للبنانيين أن يتباعدوا طائفيا وأن يديروا الظهر لوحدة بلادهم وتقدمها. فكان الإمام موسى الصدر صوتا مدويا في الضمائر يدعو بالحسنى إلى هدم الحواجز النفسية التي كانت تقام عمداً أو تعزز بين الطوائف والمناطق. وإذا كانت اليوم عقدة التنافي بين اللبنانيين والعروبة قد حلت وأصبح انتماء لبنان العربي من المسلمات عند الجميع، بهويته الخاصة وتجربته الفريدة في مجتمعه الحر والمتعدد، فإن كبير الفضل بذلك يعود إلى ما أنزله الإمام الصدر في نفوس المستمعين إليه مؤكداً أن التزامنا العربي لا يعفينا من القيام بمسؤولياتنا كاملة تجاه وطننا بل على العكس فإنه يحتمه تحتيماً. وقد واجه الإمام أيضاً قضية ثانية رام أن يضعها هي أيضاً في نصابها الصحيح، إنها قضية المقاومة في لبنان ومن لبنان. إذ لم يكن على أي شعب في لبنان أن ينوب مناب الشعب اللبناني في اتخاذ قراراته المصيرية. والحق يقال ان من زرع بذور المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي هيأ لحصد ثمار التحرير، فتحول الوطن الصغير إلى داعم حقيقي لإخوانه في عملية إحقاق الحقوق جميعها وفي كل مكان من أمكنة العرب. فهل يكون الذين يدركون الحقائق قبل غيرهم معرضين لسوء الفهم زمنا وللتكريم والتبجيل أزماناً؟

ويبقى أمامنا بعد ثالث قانوني في قضية تغييب الإمام. وقد يكون هذا الموضوع بحاجة إلى انكباب الأخصائيين عليه لتقليبه من كل جانب. إلا ان حاجتنا الكبرى في هذه الأيام هي إلى تسليط الضوء لا على القانون داخل حدود الدول وحسب بل في التعامل بين الدول جميعها، القريبة منها في ما بينها والمتباعدة إلى أقصى حدود التباعد. لقد كان يقال في القرن السابع عشر في كتب علماء السياسة ان العلاقات بين الدول تبقى في إطار شريعة الغاب ولا يحكمها قانون. ولكن ان نعود إلى مثل هذا التعامل بعد حروب مريرة أدت إلى إرساء القانون الدولي العام واستحداث الجامعة العربية عندنا ومنظمة الأمم المتحدة لسائر الدول فإنه أمر مثير للخوف وللرفض معاً على مستوى العالم بأسره. فقضية الإمام الصدر باتت اليوم علامة من علامات تغليب القوة على القانون فيما المطلوب في العالم أن تكون القوة خادمة للقانون وحامية له.

وإن كان لنا من أمنية نصوغها أمام أهل الإيمان جميعا وبخاصة أمام أهل التوحيد، فهي أن يعودوا إلى دعوتهم الأولى كمؤتمنين على تراث الحق والعدل والرحمة والحرية والمحبة أمام جميع الناس. أما ان يتخاصم هؤلاء أو أن يحثّوا على التخاصم بإسم دينهم فإن في ذلك آية الضلال لهم وآية الضياع للكون بأسره.

لقد جسد الإمام الصدر قيم تلاقي المسيحية والإسلام في لبنان بأبهى صورها. ونحن مدعوون عبر إحياء هذا المؤتمر حول شخصه وفكره إلى مواجهة التائهين عن الحق في العالم، والمروحين لتخاصم دياناتنا من غير أسباب، وملصقي الإرهاب بأمّة أو بدين زوراً وتضليلاً، وإلى إعلاء شأن أولئك الذين على غرار الإمام الصدر يحملون في الرض قوّة إنقاذ لها من همجيتها ودخول آمن ومطمئن لها إلى حرم الأخوة الشاملة والمصالحة الكبرى.

أيّد الله مساعيكم أيها الأحباء وسدّد خطاكم إلى كلّ خير.

source