في التعامل مع قضية التغييب/ العوائق السياسية على الصعيد العربي

calendar icon 12 كانون الأول 2003 الكاتب:كلوفيس مقصود

* مؤتمر "كلمة سواء" السنوي الثامن: "الأبعاد الإنسانية والوطنية والقانونية في قضية الإمام الصدر



الإمام موسى الصدر

أيها الحفل الكريم

يثير موضوع تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه كثيراً من المشاعر، ويعيد إلى الذاكرة نشاط رجل جمع إلى العلم النضال، وإلى الإيمان الممارسة حتى استولى بكلمته وبفعله على خواطر الكثير ممن عرفوه، أو تابعوه، أو التقوا به. ولقد حظيت بالتعرف على الإمام موسى الصدر في مطلع السبعينات، وأدركت من نشاطه كما من خطابه على الساحة اللبنانية أن البلد قد برز فيه رجل مفكر يأبى أن يجعل فكره إلا أداة لخدمة قضايا المجتمع، أو أن يحصر نشاطه في حدود من يشاركوه مواطن الاعتقاد. فقد جعل الإنسان مناط نظره فأتاح له نوافذ الانفتاح على كل الجماعات. ولقد أعطت الهيبة من موقعه، ومن تفاعله مع كل الناس، ومن تبنيه لقضاياهم القوة لنشاطه وجهده الذي تجسد في قيام حركة المحرومين. ولأنه كان ذلك المفكر الذي نزل إلى مشاكل الناس ولم ينتظرها حتى تصعد إلى برجه، فقد استطاع أن يكشف الغلالة التي تستر بمظاهر البحبوحة، وأشكال الغنى عمق ظاهرة المحرومين في المجتمع. وقد كان عمله ترجمة لما كان يعتقده أنه إذا كان ينبغي على الحاكم أن لا يقيم سدودا بينه وبين الناس تحجبه عن رؤية مشاكل الناس وإدراك معاناتهم، فإن ذلك الفعل أليق وأكثر ضرورة من أهل العلم الذين تشرئب أعناق الناس إلى آرائهم وحكمتهم وقيادتهم. كما أدرك الإمام موسى الصدر بثاقب نظره أن الحكومات عاجزة عن أن تدفع عن الناس بلاء العدوان الذي ينتهك كل الحرمات، ويجول في المنطقة دون رادع حقيقي، فعمل جاهداً من أجل غرس فكر المقاومة الذي يجد عمقه في كل الوطن اللبناني. ولقد نضجت رؤيته، وتطور فكره إلى أن أصبح سياسة، ثم تمكنت هذه السياسة حتى أصبحت سياسة الدولة نفسها.

لقد تعرفت على الإمام، تكرست على إثرها علاقة دائمة من تبادل الآراء وتفاعلها. وقد وجدت فيه كل الحرص على أن يصل إلى كل الأطياف الفكرية، والدينية من خلال الحوار الفعال. ولقد تجلت قناعته واندفاعه نحو الحوار في خطبة الكبوشية حيث نقل الحوار إلى آفاق أعم، وأبعاد أعمق، يضم تحت أجنحته قضايا المجتمع اللبناني الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية، كما تجلت في مفاهيم رفع لواء المحرومين، والماقومة، والتعايش. لقد كان رجل فكر عرف كيف يزاوج بين رفع البندقية دفاعاً عن الوطن، ورفع المعول بناء وتشييدا لمؤسساته التعليمية والصحية والاجتماعية.

وقد كان وقع فكر ونشاط الإمام موسى الصدر عميقا على المستوى العربي، حيث أثار رصيده الفكري والعملي اهتماماً لدى كثير من الأوساط الفكرية والسياسية العربية في هذه الظاهرة الفكرية المتدينة. وهي ظاهرة إيجابية كما حظيت بالاهتمام حظيت بالتقدير. ولذلك يدفع ما حصل من تغييب للإمام موسى الصدر إلى طرح سؤال لم يجب عليه بعد. وحينما يفتقد الناس إلى الإجابة تبرز الإشكالية. وفي حقيقة الأمر فإن هذه الإشكالية هي أساس لفتح موضوع كل التغييبات في كل الوطن العربي. ولعل مسألة تغييب الإمام الصدر التي تحتاج إلى أجابة دليل راسخ على تفشي ظاهرة عدم المسائلة التي تعم وتشيع في كل بقاع الوطن العربي. ففقدان المسائلة التي ترتب غياب الإجابة لا تنحصر في تغييب شخصية فكرية سياسية فذة تتعلق بها أفئدة ملايين من الناس، كما أنها لا تقتصر في تغييب الكثير من العرب في أصقاع عربية كثيرة بل هي تتعدى ذلك إلى أمور أكثر. فمبدأ المسائلة مفقود في جل القضايا الجوهرية التي تؤثر تأثيراً عميقا على حياة الملايين العربية المنتشرة في جوانبها المختلفة، تؤثر على نهضتها، وتؤثر على معيشتها، وتؤثر على بقائها وديمومتها. فأين المساءلة في السلوك العام للجماعات وللحكومات على حد سواء، وأين المسائلة في مواقف حكوماتنا من التحدي الاسرائيلي، واين المسائلة في اختيار البعض لنفسه ممثلاً لإرادة العرب في أخطر قضاياهم، عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وأين المسائلة من الهرولة إلى التطبيع، وأين المسائلة في انتهاك أبسط حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها؟ وحينما نفتقد إلى المسائلة فمعنى ذلك أننا نعمل بإرادتنا على تغييب ليس قضايانا فحسب بل تغييب مصائرنا. فالإمام الصدر ليس إلا رمزاً لتغييب الأمة العربية. حينما يغيب الإمام الصدر فهو تغييب لفكره ولنشاطه عن التواصل مع الناس وعن التأثير في الأحداث. وحينما تغيب الأمة العربية، فهو تغييب لإرادتها عن الفعل، وهو تغييب لرأيها عن القرار.

ولعل تغييب الإمام الصدر، وتغييب الكثير من العرب إنما يعكس حالة التغييب الكاملة للأمة العربية. فالأمة العربية حاضرة بوجود الناس لكنها غائبة في صنع القرار، وفي صنع الأحداث، فهي تمنع من الأول، ولا تمكن من الثاني.

ومن هذا الموقع، فإن عملية المسائلة في موضوع تغييب الإمام الصدر ينبغي أن تكون منطلقاً لبدء عملية تصحيح جذرية في عملية التغييب الشاملة على كافة الأصعدة العربية.

لقد حصل في موضوع لوكربي، كما في موضوع الطائرة الفرنسية التزام وفعل بتنقية الموضوعين، وهذا يقودنا إلى المسائلة لماذا حصل ذلك؟ ولماذا لا يحصل تنقية للموضوع في مسألة تغييب الإمام الصدر؟ وإذا كان ذلك يحصل لأن هناك مراجعة، ولأن هناك رغبة في تنقية الأجواء على الصعيد الدولي، فإنه أحرى بنا أن ننقي المناخ العربي، وأن نبدأ في الإجابة على المسائلة الخاصة بتغييب الإمام موسى الصدر انطلاقاً منها للإجابة على تغييب كل القضايا العربية. حينذاك نكون قد أعدنا ليس فقط الأمور إلى نصابها الصحيح، وإنما نكون قد بدأنا نخطو نحو بناء علاقة سليمة بين المجتمع والدولة حتى نصون الدولة العربية من المخاطر التي بدأت تحيق بها، وقد تؤدي إلى إضعافها، أو تلاشيها، أو تفتيتها. أليست هذه مخاطر وجودية جدير بصانع القرار أن يجعلها جوهر توجهه من أجل مواجهتها؟ وكيف يمكن أن يتحقق ذلك دون إشراك المجتمع في القرار وفي الفعل الذي يتعلق بحياته ونهضته وتطوره؟

نحن في حاجة في هذا المنعطف التاريخي المصيري إلى إنهاء تغييب الإمام موسى الصدر. فالقضايا التي جعلها الإمام الصدر موضوع نظره ومحل جهده والتي التقت عليها فئات المجتمع المدني ينبغي أن تكون في صدارة أولويات الدول السياسية، وأنى لها أن تكون كذلك إذ لم تقم بتننقية قضية تغييبه، وتنقية قضايا المغيبين. لقد آن الأوان أن ينزل صانع القرار من برج الوهم أن الأمور الجارية ستبقى على جريانها. فلقد تبدلت الأحوال على كل صعيد قطري، أو إقليمي، أو دولي، وهي لا يمكن إلا أن تقصفنا بعواقبها. وخير لنا أن تجري العواقب منضبطة بإرادتنا ومحكومة بخطواتنا، بدل أن تباغتنا فتقلقل أو ضاعنا، وتزلزل كياناتنا. ولقد كان هذا دأب الإمام الصدر، فلم يكن شأنه قلقلة الأوضاع، ولم يكن رأيه إلا تغييراً من الداخل يحافظ على التوازن، ويصون المؤسسات. غير أنه كان يدرك أن التغيير المضبوط بالسياسات لا يتأتى بالمنة بل يحصل حينما تتحرك قوى المجتمع لننبه صانع القرار أن التبديل ضروري.

وفي هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها أمتنا ما أحوجنا إلى حكمته التي كانت ترى التغيير من دون تدمير، وإلى شجاعته التي قامت على أن "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وإلى نزاهته حينما كان يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين. ونحن في أشد الحاجة إلى حسه المرهف للأولويات، فقد كان البشر، رفاهيتهم وأمنهم، رأس الأولويات. فهي أكثر عند الله أجراً من مجرد ممارسة طقوس وبناء معابد. ولا عجب أن كانت المقاومة ليحمي كرامة الناس، وأن كان الدفاع عن المحرومين لإزالة الهوان عنهم شغله الشاغل، وعمله المتواصل. تلك هي القيم العليا التي ينبغي على كل رائد لأمته أن يجد في طلبها، صيانة الإنسان في حياته وفي مسكنه وفي معيشته. ولم يتخلف مسعى الإمام يوما طلبا لها.

source