الإثنين, 21 آب, 2017 /
RSS Arabic Version آخر إضافة: الجمعة, ١٨ آب, ٢٠١٧
البريد
يوماً على الإخفاء في ليبيا
القرن المقبل يجب أن يحتوي على أفضل الصيغ لاحترام كل الحضارات والثقافات ولخلق التفاعل التام المتكافىء بينها، وبإمكان لبنان أن يكون كما كان نموذجاً واقعياً لهذا المستقبل الذي نحلم به. الإمام السيد موسى الصدر، صحيفة الأنوار 27/12/1976
الصفحة الرئيسية
أرشيف الأخبار
إصدارات قضية التغييب
إصدارات المركز
نصوص الإمام
روابط أخرى
من نحن
اتصل بنا
أخبر صديقك عنّا
أضفنا ألى المفضلة
خريطة الموقع
كتب الإمام (جديد)
الإمام الصدر... يستمدُّ من الإسلام
تساؤلات في التوحيد والفَلاح للإمام الصدر في كتاب
حركيّة الإيمان... قراءة في كتاب الكون
كتيبات الإمام
القضية الفلسطينية واطماع اسرائيل في لبنان
تقرير إلى المحرومين
إصدارات قضية التغييب
العدالة لن تغيب
مؤتمرات كلمة سواء
مؤتمر
إصدارات أخرى
الإمام الصدر عن فاطمة الزهراء (ع) بالفرنسية
توقيع كتاب تقنيات التعبير والأسلوب الإقناعي في كتابات الإمام موسى الصدر في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب
قراءة في كتاب
الصفحة الرئيسية »
محاضرة / ثقافي وفكري / لبنان  ]
تعليق على المقال أرسل هذا المقال الى صديق اطبع هذه الصفحة
الطائفية والشباب في لبنان
موسى الصدر الإثنين, 20 نيسان, 1970

* محاضرة للإمام موسى الصدر في مدرسة القديس يوسف-عينطورة بتاريخ 20 نيسان 1970.

استمعنا إلى جواب مسبق -قبل أن أتحدث عن السؤال- استمعنا بقلوبنا ومسامعنا... مجرد دعوة كريمة من مدرسة يشرفها أن تسمى باسم القديس يوسف. دعوة المدرسة لموسى الصدر رفض عملي للسلبية الطائفية في لبنان. والمستمعون الذين يترأسهم رجل كبير من رجال دين لبنان وشخصيات سياسية ونيابية يحضرون على الرغم من حراجة الظروف، وبصورة خاصة هذا اليوم، ثم المجمع الذي يضم في وسطه باقة من شخصيات روحية تلك الأخوات الكريمات اللواتي يزيّن هذا الحفل الكريم لاستماع هذه المحاضرة، جواب قاطع آخر.


ولكم أيتها المدرسة والطلاب بشخص محافظنا محافظ الجنوب في هذا التلاقي الذي هو جواب عملي لهذا السؤال، و قد سمعنا في هذه الكلمات الطيبات ما يكفي أن يكون جوابًا عن هذا السؤال: "الطائفية والشباب في لبنان"، فليس عليّ إلّا أن أوضح وأن أفلسف هذا البحث حتى أضيف إلى قلوبكم المجروحة من أشواك الطائفية، أضيف إليها عقولكم أيضًا حتى نقتنع جميعًا وننتبه إلى العلاج، فنقف في هذه الظروف الدقيقة موقفًا هو نواة مستقبل مشرق أفضل للبنان.

أيها الأعزاء،

أفسٍّر في بدء حديثي كلمات العنوان: "الطائفية والشباب".

ما هي الطائفية؟

هناك موضعان منفصلان كثيرًا ما يختلط أحدهما بالآخر: الطائفة والطائفية.

نحن في لبنان أمام واقع أرادهُ الله لنا ذلك هو وجود طوائف، ولكن الذي ما فرضه الله علينا وتركه نتصرف فيه أنه ما فرض نظامًا باسم الطائفية في لبنان.

الطوائف موجودة في لبنان، ولكنها هل تحتاج إلى الطائفية؟

عليَّ أن أتحدث لأجل [توضيح] الفرق بين الطوائف وبين الطائفية.

الطوائف في مجتمع ما تتمكن أن تكون مصدر خير وغنى؛ بإمكان الطوائف أن تكون تنوعًا هو طبيعة الخلق في العالم، ومقصود الأديان بصورة خاصة. علينا أن نستفيد من وجود الطوائف في المجتمع ونجعل الطوائف وسيلة خير لا بديل عنها. وبإمكان الطوائف أن تكون قاعدة للشرّ أو وسيلة للاستغلال كما حصل ويحصل في كثير من البلدان.

ما هو الخير الذي يمكن أن يأتي من وراء طوائف مختلفة في لبنان؟

أولًا، وجود طوائف مختلفة ككلّ تفاوت في المجتمع يمكن أن يكون مصدر خير.

في الأساس ما هو السبب لتكوين مجتمع ما؟ لماذا يتكون المجتمع؟

في الحقيقة إن الذي يكوِّن المجتمعات هو التفاوت بين الأفراد، لأن المجتمع في الحقيقة هو مجموعة من البشر يتفاعلون فيما بينهم: يأخذون ويعطون. هذا التفاعل والترابط بين أبناء البشر يكوِّن مجتمعًا وإلا لو افترضنا مئة شخص أو ألف شخص، كلٌّ في مكانه، لا يأخذ من الآخرين ولا يعطي للآخرين فسوف لا يتكون مجتمع. المجتمع يتكوّن فيما بين نفر قليل؛ فلو افترضنا خمسة من البشر بينهم التفاعل، فهذا مجتمع صغير. فإذًا، شرط تكوين المجتمعات:

1. وجود نفر قليل أو كثير.

2. التفاعل بين هؤلاء.

ولكي يكون التفاعل بين أفراد المجتمع الواحد، يجب أن يكون هناك تفاوت في الكفاءات والاستعدادات، لأن أبناء مجتمع واحد لو كانوا جميعًا في كفاءة واحدة واستعداد واحد وغنى واحد وفقر واحد وشكل واحد لا يتكون هناك مجتمع، لأنه لا يتكون هناك تفاعلات وتعاطٍ وأخذ وعطاء.

لو افترضتُ جميع أبناء البشر أو أبناء بلد واحد بصورة "كبايات" كأنها خرجت من مصنع واحد، هل يكون هناك من مجتمع؟ كلا. لأنني أملك ما تملك أنت، فإذًا ماذا أعطيك؟ وأنا أفقد ما تفقده أنت، فإذًا، ماذا آخذ منك؟

فليس هناك من أخذ ولا عطاء. فليس هناك من تفاعل. فليس هناك من مجتمع. المجتمع يتكون حينما يكون عندي ما ليس عندك، و يكون عندك ما ليس عندي: كأفراد وكجماعات. وهذه ميزة لتكوين أي مجتمع، حتى المجتمعات الصغيرة: كالبيت، كالعائلة تتكون من مجموعة كفاءات وأشكال وألوان.

فإذًا، وجود التنوع بين الأفراد هو السبب الأصيل في تكوين التفاعل بين الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات.

ولا شكّ أن هناك أسبابًا أخرى تُزاد على هذا السبب: الطموح الزائد الذي لا يرتضي بإمكاناته القصيرة، والأعداء الأقوياء الذين لا ينكفئون عني من دون إمكانات كبيرة. وعندي أيضًا سببان لتكوين التعاون الجماعي بين البشر.

فإذًا، في الأساس، التنوع لا يؤدي إلى التفرقة بين البشر، بل العكس هو الصحيح. التنوع هو الذي يفرض الحاجة بين أبناء المجتمع بعضهم إلى بعض، فيربطهم ربطًا وثيقًا بعضًا ببعض حتى يتكون المجتمع.

وعلى هذا الأساس الأفراد على تفاوت في الكفاءات والاستعدادات والأشكال. والشعوب والقبائل أيضًا على تفاوت في الانتاج وفي الكفاءات والاستعدادات.

وعلى هذا الأساس تفاوت الشعوب وتفاوت القبائل وتفاوت الأفراد يزيد في تكوين الوحدة، حيث يزيد في الحاجة إلى التفاعل بين الفئات المختلفة.

على هذا المبدأ وجود الطوائف، بما للطوائف من التجارب والمنجزات. والذي يريد أن يقول الطائفة الفلانية محتقرة وليس عندها تجارب أو علم أو فكر هذا جاهل. في الواقع كل طائفة مهما كانت صغيرة لها تجارب ومنجزات ومكتشفات وكتب وعلماء، ولا يمكن للبشرية أن تستغني عنها.

فعلى هذا الأساس وجود طوائف مختلفة معنى ذلك وجود ينابيع مختلفة في مجتمع واحد. كل ينبوع له تجارب ومكاسب ودراسات وحضارات تسهّل مهمة التعاون، يعني تسهّل مهمة العطاء للآخرين والأخذ من الآخرين، وبالتالي تتمكن الطوائف المختلفة أن تقوي علاقات مجتمع واحد من دون خطر.

ولا شك الطوائف أشبه شيء بالنوافذ المختلفة لا تقتصر على مكاسبها الوطنية. الطائفة الفلانية في لبنان لها معاهد ومدارس وتجارب وتراث وثقافة وتاريخ تعطي للوطن وتأخذ من الطوائف الأخرى، ولا تنتهي المهمة عند هذا الحدّ، إنما هذه الطائفة تعطي ما عندها وتفتح على الوطن ما عند أبنائها في خارج لبنان نافذة على الوطن.

ولذلك، الطوائف المختلفة غنى حضاري واسع لخدمة الإنسان في كل مكان، ولا خوف على وجود الطوائف إطلاقًا. هذا المبدأ، مبدأ معترف به في الدين.

الأديان تؤكد هذا الموضوع، حتى إنه يُفهم من بعض المصادر الدينية أن هناك التعمد من قبل الله سبحانه وتعالى على وجود طوائف مختلفة. في القرآن الكريم نجد آية بعد استعراض الأنبياء وكل نبي صدَّق مَنْ قبله من الأنبياء وبشَّر بِمَن بعده من الأنبياء. بعد ذلك هناك آية يخاطب الله بها جميع الأنبياء ويقول حسب هذا النص: ﴿لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات﴾ [المائدة، 48].

هذه الآية توضّح تمامًا أن النزعة البشرية الراغبة إلى المنافسة، الرغبة الشريرة في نفس الإنسان التوّاقة إلى الخصومة والنزاع، أراد الله أن يمتصّها ويوجهها ويجعل منها سبيلًا للتسابق والتنافس على الخيرات. فإذًا، لا يمكن أن يرضى الله سبحانه وتعالى بأن يكون سبيله ودينه وسيلة لتفرّق بين الناس. بالعكس يريد أن يكون تفاوت الطرق أو تفاوت الشرائع والمناهج سبيلًا للمزيد من الاندفاع والمزيد من الإنتاج والمزيد من المسابقة حتى يمتصّ نزعة الشر من النفوس، فيجعل من هذه الغريزة وسيلة لاندفاع الناس نحو الإنتاج والبناء، هذا المفهوم الديني.

أما أن يرضى بالتعصب والتصلب والتباغض فبإمكاني أن أؤكد لكم أننا لا نجد في المصادر الدينية والينابيع الإلهية أيّ أثر لأجل كره الآخرين مهما كان الآخرون. وعلى هذا الأساس، الدين يكرس هذا المفهوم الذي أخذناه من النتائج الإيجابية لوجود طوائف مختلفة.

وبالإمكان أن تتحول الطوائف أيضًا إلى قاعدة للاستغلال وللشرور، ووسيلة للتعصب ولإثارة أخطر الخصومات التي تتلون بلون القداسة. وقد شاهدنا وقرأنا في التاريخ الكثير الكثير من هذا. ولكن مجرد إمكانية استغلال الشرّ لا يجعل الإنسان يتنكر لثروة هائلة وطائلة في وطن.

هل هناك من ثروة أو رصيد أو وسيلة لا يمكن استغلالها للشرّ؟

الكهرباء التي تقدم لنا خدمات باهرة في حياتنا ألا يمكن استغلالها في سبيل الشرّ؟ السيارات والطائرات والعلم الذي هو نور الله على الأرض ألا يمكن استغلاله في سبيل الشرّ؟ الإنسان؟

ا
لشيء الدقيق والحساس حتمًا يمكن استعماله في سبيل الشرّ واستعماله في سبيل الخير.

فإذًا، حساسية الطوائف وقدرتها ودقتها وإمكانية تأثيرها في النفوس تسهّل مهمة الشريرين. ولكن على الأصحاب، على المواطنين، على القادة أن يحولوا دون استغلال الشرّ وأن يصونوا إمكانية استغلال الطوائف في سبيل الشرّ، وليست هذه مصيبة الطوائف. فإذًا، الطوائف كطوائف جمال لأنها تنوع ونوافذ حضارية تؤدي إلى غنى الوطن، وهي مقبولة كل القبول من قبل الدين، من قبل الله سبحانه وتعالى.

أما الطائفية كلما تحدثنا كان الحديث عن الطوائف المختلفة. أما إذا أردنا أن نتحدث عن الطائفية، فما هي الطائفية؟

ا
لطائفية أسلوب من النظام، أسلوب من الحياة الاجتماعية ارتضته جماعة لأسباب معينة، هذه الطائفية سياسة وليست دينًا. الدين هو الطوائف، أما الطائفية فليست دينًا، لأن مؤسسي النظام وواضعي الميثاق -وإن كانت حسب رأيي- نواياهم حسنة ولكنهم اعتمدوا الطائفية نظامًا.

لماذا اعتمدوا هذا الشيء؟

وجدوا البلد فيه مختلف الفئات، فحاولوا أن يجعلوا نظامًا يشركون الجميع في الحقوق وفي الواجبات. فلو أتوا إلى البلد وكانوا يرون البلد متنوع القبائل أو الفئات كانوا يوزعون الحقوق والواجبات حسب الفئات والقبائل والمناطق. اعتمدوا تقسيمًا سهلًا، هذا التقسيم نتيجة لأسباب تاريخية. كانت الصورة الصارخة أمام واضعي الميثاق، فاعتمدوا النظام الطائفي في الحكم أساسًا لتقسيم الحقوق والواجبات.

وقد ساعد على ذلك بعض الامتيازات لبعض الطوائف التي حاولت أن تحافظ على هذه الامتيازات. ثم صيانة الحقوق المشروعة في وطن واحد مقابل التخوف من الطغيان أدت إلى اعتماد النظام الطائفي. نيتهم كانت حسنة في هذا التقسيم، ولكن هل هذه المحاولة، محاولة خلق نظام طائفي في لبنان، هل كانت محاولة موفقة أم لا؟

لا ننكر عليهم، نقول نيتهم كانت حسنة. وزّعوا الحقوق والواجبات على الطوائف اللبنانية، ولكن هل نجحوا في تجربتهم؟ هذا هو السؤال.

أولًا، جواب هذا السؤال سلبي من الناحية الدينية فورًا، هم بذلك أضروا الدين لأنهم جعلوا من الدين دنيا ومن الله تجارة ومن الوسائل الدينية والروحية مكاسب مادية.

اليوم لا يتمسك، طبعًا في أغلب الأوقات، كثير من الناس، إلا النادر، بطوائفهم لكي يأخذوا حقًا جديدًا ويكسبوا مكسبًا جديدًا. وهذا يعني أنهم جعلوا، كما عبَّر المسيح (عليه السلام)، الهيكل الذي كان محلًا للعبادة جعلوه مغارة للتجار.

لا أقول أكثر من هذا التعبير: جعلوا العبادات والمسالك إلى الله والتعاليم الدينية والشعارات الروحية جعلوها وسيلة لمكاسب مادية، وإن كانت مكاسب حقّ ولكنهم قد أنزلوا من قيمة هذه الشعارات. وبتعبير آخر أفرغوا الحياة الدينية والهياكل الدينية والشعارات الدينية من محتوياتها الحقيقية. أعطوها محتويات مادية تُقاس بالمكاسب ويرتفع شأن الإنسان المؤمن في هذا البلد بمقدار ما يتمكن من كسب المكاسب. ففي كل طائفة يبرز الشخص الذي يؤمّن لطائفته أكبر كمية ممكنة من المادة لا من الروح ولا من التقرب إلى الله.

فإذًا، تحوّل الدين إلى ما لا يرضي الله. وإن كنا نحن نؤمن بأن الله لا يتنكر لدنيا الناس، ولكنه يؤمّنها عن طريق السموّ وعن طريق مسالك خاصة، ولا يرضى أبدًا بأن يُتاجر باسمه وبأسماء رسله وبشعائره وببيوته بصورة من الصور. فإذًا، في الدرجة الأولى نتمكن أن نقول أن اعتبار الطوائف قاعدة لتقسيم الحقوق والواجبات، يعني النظام الطائفي في لبنان أساء إلى الدين. نجد في لبنان اسم الدين كثيرًا ولكن واقع الدين كيف؟

أتذكر كلامًا للرسول الأكرم محمد بن عبد الله (عليه الصلاة والسلام) يقول -هو يتحدث عن المسلمين أي عن أمته-: "سيأتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة بالبناء خراب من الهدى".

الهدى هو عمران الدين لا البناء، محتوى القرآن هو حقيقة الإسلام، لا القرائين المذهّبة والمجلدات الفخمة والبيوت المزخرفة. هذه لا يعتني بها الله سبحانه وتعالى، وإن كانت نعمة الله عزيزة عند الله، والله يحب أن يرى نعمته على عبده ولكن هذا تحويل خطير وتحريف في الأساس لا يرضى عنه الدين.

فإذًا، حتى لو كان النظام الطائفي نظامًا مثاليًا فإنه أساء إلى الطوائف وأساء إلى الدين بدوره الخاص. هذا أولًا.

ثانيًا، نتساءل: هل الطائفية هي أفضل وسيلة للحياة في مجتمع؟

بإمكاننا أن نقول كلا. لماذا؟ لأن المجتمع المثالي كما رسمنا صورة أولية عنه في أول الحديث... ما هو المجتمع المثالي؟

المجتمع المثالي أن يعطي كل إنسان ما عنده من الكفاءات وأن يأخذ من صاحب الكفاءة ما عنده من الكفاءات الأخرى.

فإذًا، المجتمع الأفضل هو الذي يطببه الطبيب لا المحامي، ويدافع عن حقوقه المحامي لا الطبيب. إذا جعلنا الطبيب بدلًا عن المحامي والمحامي بدلًا عن الطبيب هذا انهيار للمجتمع.

نحن ماذا نصنع في لبنان؟

يشغر مركز فني أو حقوقي أو إداري أو مالي ننتظر أن نجد له بديلًا له من نفس الطائفة، ولا نهتم أن نأتي بأفضل مهندس أو أفضل محامٍ أو أفضل سياسي في هذا المركز الشاغر.

فإذًا، النظام الطائفي في الحقيقة يتناقض مع اعتماد نظام الكفاءات، وعلى هذا الأساس لا يمكننا أن نعترف، ما عدا دفاعنا عن الدين النقطة الأولى، بأن النظام الطائفي كان نظامًا مثاليًا لهذا البلد. ولكن هناك سؤال وجواب حول هذه النقطة بالذات.

لو كان نظام الكفاءات معتمدًا للنظام السياسي في لبنان ماذا كان من الأمر؟

في الحقيقة، على الخريطة، وفي الديوان وعند التخطيط كنا نعتمد نظام الكفاءات، من هو أفضل يأتي إلى المركز المناسب له، ولكن هل كان في الحقيقة هذا الأسلوب يُطبّق؟

طبعًا لا، لأن هناك في السير العام نحو المجتمع الأفضل ظروفًا اجتماعية خاصة: من ظروف مالية ومن ظروف تراثية ومن ظروف تعود للصدف تؤمّن لبعض المواطنين وسائل نمو الكفاءات، ولا تؤمّن للآخرين هذه الوسائل. وبتعبير آخر لو تركنا المجتمع يمشي بصورة خاصة وأخذنا النخبة من أبناء المجتمع، هل النخبة هذه هي الوحيدة في المجتمع؟ ألا تعتقد أن في مجتمعاتنا هناك أبناء للفقراء، أبناء للقرى البعيدة المهجورة، أبناء من مات أبوهم أو أمهم وما توفّرت لهم ظروف دراسية، لو كانوا يدرسون لكانوا يتفوقون مئات المرات على الذين نجحوا وأخذوا شهادات ومراكز؟

حتمًا هذا الواقع الذي نعيشه نحن لا يمكّننا أن نقول أن أفضل رجل دين أو أفضل مهندس أو أفضل محامٍ هو فلان أو فلان. قد يكون هناك من الكفاءات النائمة المكبوتة في مجتمعاتنا ما كان يتمكن أن يملأ الأرض من الخير والعدل والفكر، ولكننا ما تمكّنا أن نوفّر لهذه الكفاءات وسائل النمو.

ماذا لو اعتمدنا نظام الكفاءات بشكل مطلق، لما كان يمكن في المجتمع الحرّ الذي يعتمد نظام الكفاءات، أن تنمو وتنجح الكفاءات بصورة طبيعية... فلذلك جاؤوا ووضعوا نظام الطوائف. يعني قالوا نحن نقسّم الحقوق والواجبات بين الطوائف حتى نوفّر للطوائف المتأخرة من أن تنمو ومن أن تأتي بأبنائها لاستلام المراكز المعينة. نية حسنة نقولها ولكنهم هل نجحوا؟ هل اختاروا أفضل الطرق؟ هلّا يكون عندهم وسيلة لتنمية الكفاءات وصيانة الحقوق المهدورة والاستعدادات المهجورة المغمورة غير هذه الوسيلة؟

أما كان لهم من طريق لتنمية هذه الكفاءات غير هذا الطريق؟ ثم هل نجحوا في ذلك بعد مرور عشرات السنين من تاريخنا ومن ميثاقنا ومن استقلالنا؟ هلّا نجد اليوم فروقًا بين الطوائف؟

أذكر لكم بعض الأرقام المذهلة وإن كنت لا أحب أن أتحدث عن هذه المسائل.

أيها الحفل الكريم،

هناك بعض الطوائف اللبنانية العزيزة، وكلها عزيزة، وكنت أتمنى أن أكون من الطوائف المحظوظة حتى أدافع عن الطوائف المحرومة، ولكن ماذا أصنع؟ هناك بعض الطوائف اللبنانية حسب إحصاء دقيق ليس فيها واحد بالمئة من الأميين... ربما تستغربون ولكن هذا الواقع، هذه إحصاءات اليونسكو، وهناك بعض الطوائف عدد الأميين فيها سبعين بالمئة.

هل تمكن النظام الطائفي من توفير الكفاءات لجميع المواطنين؟! في بيروت تجد من المشردين ألف واثني عشر طفلًا، هذا في سنة 1968. لا تجد من بعض الطوائف اللبنانية واحدًا من هؤلاء، الطفل المعاق الذي نقرأ اسمه في الشوارع، وتجد من بعض الطوائف تسعماية وثلاثين من المشردين.

هل نجح النظام الطائفي في تعميم العدالة الاجتماعية بين المواطنين في لبنان؟

القرى والمناطق المحرومة: الماء والكهرباء، حقوق المواطنية، المدرسة، نسبة السكن، كل شيء... ولا أريد أن أتحدث هنا إلا عن بعض الأمثلة والنظائر.

ربما يكون بعض المسؤولين الكبار الموجودين في بعض المناطق أخبر مني بهذه الإحصاءات... كنت أتمنى.

فإذًا، النظام الطائفي لم ينجح في صيانة الطبقات المحرومة وفي الدفاع عنها؟ هذا الذي جعل أناسًا وأنا منهم أو أصغرهم أن أحاول أن أتسلل عن طريق الطائفية للقضاء على الطائفية. هناك نفر حاولوا، وأنا منهم، أن يؤسسوا مؤسسة طائفية حتى يحاربوا بها التمييز الطائفي الذي نعيشه في لبنان بصورة عنيفة كما نعيش بعض المآسي الأخرى.

فإذًا، النظام الطائفي أساء إلى الدين أولًا وما أعطى نتيجة ثانيًا.

ثم المكاسب السابقة لا تُطرح في هذا العصر أبدًا. أي بلد تجد أن هناك فئات ليس لها مكاسب سابقة؟ ثم من الذي يعترف بوجود مكاسب في الحقوق المختلفة؟

كل طائفة ترى لنفسها مكاسب وامتيازات، ولكن جهاد السابقين يكفيهم شرفًا أنهم حصّلوا الاستقلال وجاهدوا ووصلوا لأجل بناء الوطن. أي شرف أكثر من هذا؟ جدي وأبي وآبائي جاهدوا في سبيل البلد، هل تعويضهم أن آخذ أنا كذا ليرة أو كذا مركز أو كذا منطقة باسمهم؟ هذا تنزيل للقيم الحقيقية وليست حقيقة.

أي مكاسب تريد أن أعدّ لك من أمجاد الطوائف الأخرى. كل طائفة لها أمجاد في تاريخ لبنان الطويل، وكل طائفة لها عصر ذهبي في تاريخ لبنان المجيد. فإذا كنا نريد أن نحسب المكاسب فهذا معناه ما بنينا وطنًا وما اعترفنا بالمواطنية الحقّة التي تدعو إلى وحدة المواطنين في الحقوق وفي الواجبات.

فإذًا، النظام الطائفي ما أنتج. ولكن فشل النظام الطائفي وإساءته للدين لا يعني رفضنا لوجود الطوائف وعدم اعترافنا بميزات الطوائف وفضل الطوائف وفضل الروح التي تنتشر والقاعدة الروحية التي تجعل من البلد بلدًا متنوعًا جميلًا، التناقض فيه يدور في حلقة روحية.

كل ما قلت كان تفسيرًا لكلمة الطائفية. الآن أتحدث عن تفسير لكلمة الشباب. وبعد أن نخلص من التفسيرين أبدأ بالمحاضرة فيما بعد.

الشباب: من هو الشاب؟

الشاب عمره أقل من غيره. ولكن هذا المبدأ يكوِّن عنده كفاءات وإمكانات.

أولًا، قوّته أكثر وفرصه أكثر، إمكانية عطائه أكثر، التزامه بالمجتمع وارتباطه بالمجتمع أقلّ من غيره. وهذا يسهّل له مهمة التطوير والتغيير لأن الارتباطات الاجتماعية هي أقوى مما يقف أمام الرغبة في التغيير. الشاب يتمكن أن يخطط لأمدٍ بعيد لأن العمر أمامه.

هذه الأمور تساعده على التحرك والسعي لأجل التغيير، ثم صبره أكثر وجلده أكثر -الشاب حسب المفهوم العلمي- حتى تمكّنه من الصبر أمام المغريات أكثر.

قد ترونني أتحدث بصورة غير واقعية، ولكن هذا مبدأ علمي: الشاب حاجته إلى المغريات أكثر ولكن صبره على المغريات أكثر، وهذا مبدأ ثابت يبدو كثيرًا في الجهد وفي الصيام وفي كثير من المواقف وفي الحروب.

خلاصة ما أريد أن أقول أن الشاب إمكانيته للعمل أكثر، ويساعده على العمل قلّة التزامه بمجتمعه. هو غير مرتبط: العلاقات الاجتماعية الأخرى ما رسخت في قلبه وما تبنّى المجتمع القائم، ما أصبح جزءًا منه. زائدًا على رغبته في التغيير، لأنه يريد أن يساهم مساهمة فعالة في تكوين مجتمع أفضل، يريد أن يعطي وأن يبرز، لا يقنع بأن يأكل على مائدة الآباء والجيل السابق، يريد أن يفتح هو مجتمعًا ويؤسس نظامًا ويسعى في سبيل التطوير. هذه طبيعة الشاب.

ما هو المطلوب من الشاب في حقلنا الطائفي الذي كنّا نتحدث عنه في لبنان؟

بعد أن آمنّا بأن النظام القائم ما تمكن أن يعطي مبرراته وأن ينجز ما كان مطلوبًا منه، ماذا يعمل الشاب؟

الشيء الذي أريد أن أقوله، وهذا بحث طويل، هناك من يفكر أنه تمكن من -باعتماد الأنظمة حسب القانون- أن يقضي على هذه المشاكل الاجتماعية داخل الوطن. هناك من يفكر أنه يمكن إزالة الطائفية من النصوص دون أن نزيلها من النفوس ويقول: إذا أزلنا الطائفية من النصوص نحن نحتاج إلى إزالتها من النفوس أيضًا. لماذا؟ لأنه حينما يتعلم شاب ويصبح مهندسًا أو يستعدّ لاستلام مركز، ثم يشترك في امتحانات أو في مباريات أو في مراجعات ويجد نفسه مع زميل له في مدرسة أو في كرسي، أنه كان يفوقه كفاءة، ثم يجد نفسه أمام مسؤولين لا يصارحونه بصراحة بأننا علينا أن نطبق ستة وستة مكرر... لا يقولون ولكن ينفذون بطريق ملتوٍ، فيصبح الألم أشد والحقد أكثر ضراوة وهذا يؤدي إلى الانفجار في نفوس المواطنين.

وهذه المشكلة ليست مشكلة طائفية فحسب، أيّ مشكلةٍ من هذه المشاكل إذا ألغيناها وابتلينا بالمشكلة الإقليمية كما هي قائمة في بعض الدول العربية أو في بعض الدول في العالم أو المشكلة الطبقية، طائفية القرن العشرين الطبقية أيضًا، تعود نفس المشكلة.

المسألة ليست مسألة النصوص والميثاق والدساتير حتى نتمكن أن نعالج واقعًا. الإنسان عنده أفكار ورواسب وأمور يتحرك من وراء هذا الوعي الذي يملأ قلبه ويقنع عقله. عليك أن تعالج المشكلة في النفوس.

أيّها الشباب لا ينتهي العلاج عندما تقومون وترفعون شعار اللاطائفية وتغيرون الدستور ويصبح النظام اللبناني نظامًا لاطائفيًا. لا تنتهي المشكلة عند هذا الحدّ. عليكم أن تعالجوا السبب. يجب أن تفتشـوا لماذا يلجأ اللبناني إلى التكتل الطائفي. ماذا دعاني أنا، وأنا أبعد الناس -وكفى بالله شاهدًا- عن الطائفية، إلى أن أؤسس المجلس الشيعي الإسلامي الأعلى؟

لماذا اللبناني يحاول أن يجد رصيده وحمايته وسنده في طائفته؟

فكروا في هذا السبب وعالجوا هذا السبب.

أذكر لكم مثالًا حتى نستوضح، لأنني عادة لست محاضرًا وإنما واعظًا فحسب، أريد أن أُدخل ما في ذهني في عقولكم وفي قلوبكم: سابقًا كان يتحكم في العالم النظام القبلي. كل إنسان يعيش في ظلّ القبيلة، يحتمي بالقبيلة، وكان يكلفه هذا الانتماء غاليًا لأن شيخ القبيلة كان يتحكم فيه وكان يأخذ أمواله، ولكنّه كان مضطرًا لأنه لا يجد حماية عن نفسه عن كرامته وعن حياته إلا قبيلته. هذا الشيء الذي لا يزال بعض آثاره موجودًا في لبنان مع الأسف.

ما الذي قضى على القبائل والشعور القبلي في العالم؟

حماية الدولة. حينما قامت الدولة بحماية الفرد لم يعد الفرد يشعر بحاجة إلى الانتماء والالتزام والاستناد إلى قبيلته حتى تدافع عنه. وجد أن القانون يحميه، وجد أن القانون ينتقم من خصمه، وجد أن القانون يصون حقوقه، وجد الإنسان بديلًا عن حماية القبيلة في الدولة فترك القبيلة. حتى إن كثيرًا من الدول في العالم كما تعرفون أسماء العائلات لم تبقَ "العائلية"، يعني كل إنسان، كل عائلة، يجد لنفسه لقبًا أو اسمًا غير اسم أولاد عمه، يعني حتى في الاسم تقلصت "العائلية".

لو كنّا نتمكن أن نجد بديلًا عن الحماية، بديلًا عن حماية الطائفة في لبنان. أنا أقول مع العلم أني أهتم جدًا باحترام الطوائف، وقد ذكرت أن الطوائف خير للبنان، ولكن أتحدث عن الطائفية. لماذا نحاول التكتل الطائفي حتى ندافع عن حقوقنا؟

أيّها الشباب، اخلقوا بديلًا عن الحماية الطائفية، أتمنى ذلك. اليوم نرى شابًا أو شبابًا يقفون لكي يدافعوا عن حقوق طائفة أخرى حتى يتمكن المواطن العادي أن يطمئن إلى ضمير المواطن.

حينما يدخل المواطن في دائرة وحينما يراجع مسؤولًا ويجد أن المسؤول يصنفه فورًا من اسمه، من هويته، من تحركه، من لهجته يضطر إلى أن يستند إلى من يحميه. أما إذا وجد مسؤولًا يفضل غير طائفته على نفسه، يحمي المظلوم أينما كان ويحمي الحقوق المهدورة أينما وجدت، بطبيعة الحال المواطن لا يشعر بالحاجة إلى أن يستند إلى طائفته أو عائلته أو جماعته.

الفئوية، الانتماء إلى فئة، إذا ما كان في طائفة فإنه في أشياء أخرى. الإنسان بسهولة يتمكن أن يجد علاقات مع عناصر. أتذكر يومًا ماتت امرأة، بعدما وجد النعي سبيله إلى آل الفقيد وجدنا كل الاشتقاقات الصغيرة منها والكبيرة مثلًا اسمي صدر كل شيء اسمه صدر وصدري وصادر ومصدور كلهم صاروا أرحامي أنا، وأبعث بطاقات نعي لجماعات أخرى من مختلف الفئات. لماذا كل هذه المشقة والمشكلة... أريد أن أجد حاميًا لنفسي، أن أدافع عن نفسي.

طبعًا بطبيعة الحال لا يمكن القضاء على الطائفية في النصوص، بالعكس إزالة الطائفية عن النصوص دون علاج المشكلة هذا يؤدي إلى الانفجار من الداخل لأن ممارسة الطائفية سوف تكون بطرق ملتوية. الشباب أمام هذه الرسالة، فعلاقاتهم بالمجتمع الحالي لم تترسخ بعد حتى يتمكنوا من الخروج من هذه الدوامة. الشباب لا يزالون أمام المفترق. ما انجرفوا بالتيارات المختلفة التي ورّثتهم إياها الأجيال السابقة، بإمكانهم أن يعالجوا هذه المشكلة. والعلاج ليس علاجًا فكريًا، العلاج العملي عليكم أن تمارسوه. يعني فورًا تؤسسون فئة أو منظمة أو محاولة تسعون من خلالها إلى خدمة الآخرين حتى تصبح هذه العملية عادة، وحين يجد المواطن حاميًا ومدافعًا عن الحقّ بلا شك يترك الانتماء وتسهل عليكم المعالجة. هذا بالإضافة باعتماد نظام متبع ونظام صحيح. وهذا موضوع خارج عن بحثنا الآن.

وبالمناسبة أتصور أن أفضل فرصة وأنسب ظرف لمعالجة هذه المشكلة ظرفنا الحاضر. هذا الظرف الذي يمتاز بوجود الخطر على منطقة من مناطق لبنان. هذا الخطر انعكاسه على المنطقة بصورة مباشرة لا يخفاكم: خطر من العدو الخارجي، أخطار من الإهمال، خطر النزوح، خطر الترك، خطر الانفراد وكل هذه الأخطار موجودة والظروف عصيبة جدًا. وربما لا أتمكن أن أشرح كيف هو وضع بعض المناطق وبعض القرى الأمامية. والحقيقة أن القرى الأمامية تعيش أحرج الحالات وأدقّ الأوقات. فكثير من القرى تفرغ من الرجال والنساء في الليل، بعض المدارس تعطلت عمليًا لأن الطلاب تركوها، كثير من الناس يحاولون الانتقال. أهل بيروت منتظرون أن يروا أهل الجنوب راكبين شاحنات ونازحين إليها، ولكن النزوح بهذا الشكل لن يكون، فالنزوح عملية قائمة. تريد أن تشاهد الجنوب النازح تفضل إلى برعشيت، إلى عيتيت وإلى جويا فتجد أبناء القرى الأمامية بأعداد كبيرة موجودين هناك.

النزوح قائم لأجل معلوماتكم الخاصة. لكن المشكلة لا تنتهي عند حدّ الأخطار التي تهدد الجنوبيين. المشكلة الكبرى هي المشكلة النفسية، مشكلة الإهمال، مشكلة الترك، مشكلة عدم ارتفاع صوت من منطقة أخرى لبنانية، مشكلة التهاء بيروت بمشاكلها وسياساتها ونتائجها ونزعاتها الخاصة. هذه هي المشكلة.

في هذه الظروف العصيبة إذا قام الشبان وأسسوا فئات ومنظمات وحركات للدفاع عن الجنوب الذي هو في الحقيقة الدفاع عن وطنهم، لأنني لا أتصور وجود للبنان من دون الجنوب إذا ما حصل احتلال لهذه المنطقة. هكذا أفهم ولا أدري ما في ذهن الناس الآخرين. ارتباطات سياسية وأخطار ومضاعفات اجتماعية وبشرية لا يمكن تصور حدودها إذا احْتُلَّ الجنوب.

ومع ذلك الدفاع عن الجنوب دفاع عن لبنان. افترضنا أننا دافعنا عن نقطة من لبنان، فالدفاع عنها دفاع عن الوطن ككل. ففي هذه الظروف إذا تمكّنا أن نُسْمِع أصواتًا من غير الجنوب، من غير الطائفة التي تُشكل الأكثرية في الجنوب، إذا وجدنا هذا التجاوب فالمواطن يشعر بشيء من الارتياح والاطمئنان والثقة وبشيء من عدم الحاجة إلى التوسل إلى العائليات أو الطائفيات. هذا هو المطلوب من الشباب في هذا اليوم.

وأضيف إلى ذلك أيّها الشباب أؤكد لكم، وأنا آسف أن أقول هذا ولكن ما أقوله كفارة عن سكوتي خلال سنة أو أكثر، إنني أؤكد لكم أن الجنوب منسي وليس هناك من سعي جدي وعمل ثابت يكون بمستوى الخطر. تحدثنا وقلنا وناشدنا وأشرنا، وأكثر إيلامًا من تجاهل المركز للجنوب تجاهل الشعب للجنوب. الشعب اللبناني في مختلف المناطق شعوره بالجنوب ضعيف لا يبرز ولا يظهر. قد يشعر أحد ما في غير الجنوب ببعض الهواجس أو ببعض الحزن ولكن هذا لا يكفي فالوطن في خطر. عليكم أن تتصوروا لو كانت هذه المنطقة معرضة للخطر، ماذا كنتم تعملون؟

نفس الشعور يجب أن يحدث. عليكم أيّها الشباب أن تتداركوا الأخطار التي أخذتموها مع المكاسب من الأجيال الماضية وأن تبادروا بالعمل وأنتم تتمكنون من ذلك.



فما أجمل وما أرفع إنسانية مظاهرة تطلع من هذه المناطق أو من بيروت أو من طرابلس يكون شعارها الجنوب.



أنا بانتظار تلك الأيام وذلك الوقت الذي نرى فيه نواة لبناء لبنان المستقبل، لبنان الذي تحول كله إلى طائفة واحدة إلى طائفة الله، إلى طائفة الإنسان.

والسلام عليكم.

أسئلة وأجوبة:

س: الإمام موسى الصدر، إن لبنان بكونه مسيحيًا يلعب دورًا هامًا إذ إنه نقطة التحام وتمازج الشرق مع الغرب فله علاقة روحية وأدبية مع الغرب لكونه مسيحيًا، وعلاقة مع الشرق بعروبته. فما رأيكم بهذه الفكرة؟



ج: طبعًا هذا بشيء من التصحيح في العبارات حقيقة، وأنا تحدثت فيها في أكثر من محاضرة. لا شك أن وجود المسيحية في لبنان بما لها من العلاقات الحضارية والدينية في العالم ثروة كبرى للبنان لا يمكن أن نتنكر لها إطلاقًا، ثم وجود المسيحية في لبنان يسهّل كون لبنان مفتاحًا وبابًا للتمازج بين الشرق والغرب، هذا هو الصحيح.

إنما هذا التعبير تعبير غير صحيح، لبنان بكونه مسيحيًا... لبنان ليس مسيحيًا، لبنان مقر للمواطنين على مختلف الطوائف والأديان. فإذًا، لبنان المؤمن بالله الذي يشتمل على طوائف وبينهم أو أكثرهم مسيحيون ثروة كبرى للبنان وثروة كبرى للعرب وثروة كبرى للشرق، هذا رأيي.

س: في سياق حديثك عن الطائفية ذكرت أن التفاعل والأخذ والعطاء هي من ركائز المجتمع. والسباق والتنازع يؤديان إلى تطوير هذا المجتمع. أفلا يؤدي هذا السباق إلى نوع من الانشقاق والتفكك، وهذان الأخيران يؤديان إلى استعمال الطائفية لاستغلال بعض المصالح الشخصية؟

ج:
أتصور أن هذا... بحثت في هذا الموضوع، الإنسان بطبيعة الحال يرغب إلى المنافسة والسباق، وأحيانًا يتحول هذا الشعور إلى المنازعة والخصومة. إذا وُجّه الإنسان وأصبح ذا وعي فيستعمل هذه الطاقة الحسنة في سبيل الخير ولا يمكن أن يستعملها في طريق الشرّ. فإذًا، أنا لا أعتقد أن المنافسة بين أبناء مجتمع واحد يؤدي إلى الانشقاق، بالعكس كمسابقة رياضية ومنافسة بين طلاب صف واحد، يجنّدهم لأجل الوصول إلى مقام أكمل.


س: اعتنق شبابنا الحاضر دينًا جديدًا، دين "الهيبيين"؟!

ج: الحقيقة أن هذه مشكلة طبعًا الهيبية ليست دينًا، مسلك في الحياة إنما أنا أتصور أن الموجات الجديدة أو على حدّ تعبير الصحف –وإن كنت لا أحب أن أهين أحدًا- الصرعات الجديدة، يقف وراءها الشعور باللامسؤولية يعني الشاب إذا شعر بأن عليه واجب البناء بناء المستقبل، حينئذ يتصرف تصرفًا مسؤولًا ولا يمكن أن يصل الإنسان دفعة واحدة من اللامسؤولية المطلقة إلى المسؤولية المطلقة. السبب لعدم الشعور بالمسؤولية قد يعود إلى تفكك العائلة في العالم.

بتعبير آخر طالما أخذ الأستاذ كل الأسئلة، (يعني مش الحق عليّ... طيب... أنا رح أفسّر... طيب حاضر... تأمر سعادة المحافظ... نحن من الأبرشية على كل حال... بخاطرك... طالما أخذوا مني الأسئلة رح أطوّل هذا السؤال قد الكل...).

الحقيقة أنه سابقًا كانت هناك علاقة بين الجيل الماضي وبين الجيل الحاضر، وبين الجيل الحاضر والجيل القادم، هذه العلاقة دائمًا كانت علاقة عاطفية وما كانت علاقة عقلانية إلا في القرون المتأخرة جدًا لأنه عادة تفكير الشاب يختلف عن تفكير الأب بطبيعة الحال كما ذكرنا في ميزات الشباب. ولكن المجتمعات كانت تحتفظ بالشيء وبعلاقة بينهم وبين الأولاد الذي كنا نسميه بالأبوة والأمومة العائلية.

يعني الطفل من الصغر كان يجد أمامه وجه الله في صورة الأم، الأم كانت تضحي لأجل الطفل بوجودها وجسدها وراحتها ونومها وكل شؤونها حتى تربي ابنها. الأب نفس الشيء، المعلم بنفس الطريقة... وبالتالي الشاب الذي يخرج من هذه البيئة يجد نفسه غير مرتبط بأفكار الجيل الماضي لأن عنده فكر جديد ولكن كان يجد نفسه مرغمًا بالارتباط العاطفي مع الجيل السابق. ولذلك كان يحب الماضي، يحترم الأب، يحترم الأم، يحترم الكبير، وبالتالي يحترم مكاسب الماضين. يعني يحترم إنتاج الجيل الماضي الذي هو الحضارة القائمة، كان يحبه. وحينئذ رغبته في التغيير وتعبيره عن الفكر الجديد كان يتجسد في التطور، في التكامل... كان يجعل المكاسب السابقة على حالها ويضيف عليها.

بينما اليوم الشاب يفتح عينه فلا يجد نفسه أمام من يحبه. يجد أن الأم تتخلى عن واجبها وتعوّض عن خدماتها بخادمة أو مدرِّسة أو مرضعة أو بديلًا وتدفع المال. يعني الأم تجعل مئتي ليرة على أبعد التقادير بديلًا عن خدماتها للطفل؛ يعني الأم تعترف عمليًا أنه أنا أمومتي بالشهر (تسوى) مئتي ليرة. (نعم... نعم هذا بدو تصفيق... أكثر من تصفيق... مع الأسف). وبالتالي نزّلنا قيمة الأمومة... ليس هناك من ارتباط عاطفي بين الطفل وبين الأمهات والآباء، انقطعت العاطفة... والشاب كبُر وما وجد في بيته لا أمه ولا أبيه، ما وجد أمام عينه شيئًا. أيضًا بالنسبة للمعلم وغير المعلم هناك أبحاث طويلة. الشاب كبُر دون ارتباط عقلاني أو عاطفي بالجيل الماضي، بالتالي لا يحبهم وحينما لا يحبهم لا يحترم النظام ولا يشعر بالمسؤولية أمام النظام. ثم عدم رؤية المطلق أمامه يجعله يخضع لرغباته خضوعًا مطلقًا لامتناهيًا، أينما أخذته رغباته يمشي. وهذا يؤدي إلى اللامسؤولية.

طبعًا بالشرق نحن أحسن حالًا، ولذلك أولًا الغرب يسرق شبابنا اليوم، يسرق الأدمغة. كثير من شبابنا يُسرقون بواسطة الوسائل المغرية والأموال الطائلة لكي يقوموا بدور بناة مجتمع جديد في أوروبا وفي أميركا، لأن شبابهم تركوا الشعور بالمسؤولية؛ وهذا شيء واضح.

ثانيًا، من مدة قرأت حديثًا صحفيًا مع شباب جامعيين في لبنان، على الرغم من الأفكار المتنوعة والأفكار المتطرفة رأيت روح المسؤولية يسود جميع أفكارهم. فروح المسؤولية إذا كانت عند الشاب هذا ضمانة، أما الصرعات الجديدة بطبيعة الحال كلها ناتجة عن الشعور باللامسؤولية.

أمام عدم الجواب عن الأسئلة أولًا كما تكرم وقال عدم الإرهاق، ثانيًا بالفعل عندي اجتماع في بيروت، أرجو أن يعطيني الأستاذ المعرّف الأسئلة حتى أدرسها وحتى ألخصها وحتى أضع على ضوء جوابها محاضرة أخرى أطالبكم بها فيما بعد. 



المصدر: مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات
ابحث
   
إصدارات المركز الأخبار
محطات مضيئة من مسيرة الإمام السيد موسى الصدر

نصوص الإمام السيد موسى الصدر

شاهدوا مقابلات ووثائقيات الإمام السيد موسى الصدر على اليوتيوب

خلاصة قضية إخفاء الإمام وأخويه في ليبيا

السيرة الذاتية لأخ الإمام سماحة الشيخ المغيب الدكتور محمد يعقوب أعاده الله

السيرة الذاتية لأخ الإمام، الصحافي المحتجز في صحراء ليبيا الاستاذ السيد عباس بدر الدين أعاده الله

مرافعات جلسة المجلس العدلي بتاريخ 14/10/2011 لمحاكمة معمر القذافي واعوانه

الموقع الرسمي لمؤسسات الإمام الصدر
الموقع الرسمي لمؤسسات الإمام الصدر
مواد متعلقة
تصفح الكل »
مناسبات ونشاطات
السيد نصرالله اعترافاً بالجميل للإمام الصدر: ما نصر تموز إلا بعض عطاء زرعك الذي أثمر
نشاطات الذكرى الثامنة والثلاثين لتغييب سماحة الإمام الصدر واخويه
حفل تكريم فكر الإمام الصدر في مقر الأونيسكو في باريس
من السيدة مليحة الصدر إلى والدها الإمام: نحن ننتظرك كما علَّمْتَنَا الانتظار
دعوة لافتتاح مسجد الإمام المغيب السيد موسى الصدر أعاده الله
مؤتمر في جامعة ميشيغن في آن آربر بمشاركة عدد كبير من المختصين:
من نحن | اتصل بنا | خريطة الموقع
جميع الحقوق محفوظة © 2006 - مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات
تصميم و تطوير شركة IDS