فارسي الثلاثاء, 07 أيلول, 2010 /
*محتويات الصفحة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز RSS Arabic Version آخر إضافة: السبت, ٠٤ أيلول, ٢٠١٠
البريد
يوماً على الإخفاء في ليبيا
القرن المقبل يجب أن يحتوي على أفضل الصيغ لاحترام كل الحضارات والثقافات ولخلق التفاعل التام المتكافىء بينها، وبإمكان لبنان أن يكون كما كان نموذجاً واقعياً لهذا المستقبل الذي نحلم به. الإمام السيد موسى الصدر، صحيفة الأنوار 27/12/1976
الصفحة الرئيسية
أرشيف الأخبار
إصدارات قضية التغييب
إصدارات المركز
نصوص الإمام
روابط أخرى
من نحن
اتصل بنا
أخبر صديقك عنّا
أضفنا ألى المفضلة
خريطة الموقع
كتب الإمام
أبجدية الحوار
أبحاث في الاقتصاد
كتيبات الإمام
اخلاق الصوم
الاسلام الاصالة الروحية - التطور
إصدارات قضية التغييب
مذكـرة تحرٍ دائـم
إصدارات مركز طهران
عرض مجموعة تفسير القرآن الكريم للامام السيد موسي الصدر
Books on Imam Mousa Sadr published
مؤتمرات كلمة سواء
مؤتمر
إصدارات أخرى
كتاب: الاديان في خدمة الانسان، للإمام السيد موسى الصدر بالروسية والآذرية
كتاب: الاديان في خدمة الانسان، للإمام السيد موسى الصدر بالروسية والآذرية
صدر عن دار الأمير للثقافة والعلوم كتاب جديد تحت عنوان المرأة في فكر الإمام السيد موسى الصدر للباحثة فاطمة صوان هيدوس
الصفحة الرئيسية » أبحاث في الاقتصاد » المحور الثاني: الاقتصاد في المدرسة ...
أبحاث في الاقتصاد
المحور الثاني: الاقتصاد في المدرسة الاسلامية

مدخل

باسمه تعالى

هذا البحث، باشر الإمام السيد موسى الصدر بنشر حلقاته بالفارسية في شباط 1959، وقد رافقت أشهراً تسعة من أعداد مجلة (مكتب إسلام) في السنة الأولى من صدورها في مدينة قم – إيران، وقد انبرى لهذه الحلقات سماحة العلامة الشيخ علي حجتي كرماني، فجمعها وشرح ما اعتبر انه بحاجة للتوضيح وقدمها للطبع كتاباً بتعريب منير مسعودي.
إن مباحث الإمام الصدر كانت أول مقاربة لعالم دين في حوزة علمية دينية إلى مسألة الإقتصاد في المدرسة الإسلامية، وان هذه المقالات نشرت قبل أن ينشر الشهيد السيد محمد باقر الصدر كتابه (إقتصادنا).

وعلى الرغم من مرور أربعة عقود على كتابتها، فإن آراء الإمام الصدر، تبدو معاصرة، وراهنة، ومما يعزز صدقيتها أن توقعاته بانهيار المعسكر الشيوعي، قد أصبحت واقعاً وأن تقويمه للرأسمالية المتوحشة، يشكل منطق العصر المعتمد من كل رجال الإصلاح، ومن الذين سعوا إلى تطوير الرأسمالية، فأدخلوا عليها ملامح إنسانية، لإنقاذها من نفسها، قبل إنقاذها من الإنهيار إذا ظلت على توحشها.

قد يكون من الغبن تناول هذه الآراء، بالتلخيص، أو بالإستنتاج، ولذلك نكتفي بالوقوف على بوابة محراب الإمام، وقد كانت مقدمة وخاتمة العلامة حجتي كرماني المتضمنتين بالاضافة إلى شروحاته على النص بمثابة تعليق على أبحاث الإمام الاقتصادية في الاسلام.

تقديم

الإنسان والمشكلات الإقتصادية


بقلم العلامة الشيخ علي حجتي كرماني (1) 

تعتبر مسألة الاقتصاد وكسب المعاش من الضرورات الأولية التي رافقت حياة البشرية وشكلت جانباً مهماً منها.
ومنذ بداية تاريخ الإنسان أصبحت مسألة الطعام واللباس والسكن وسائر الاحتياجات الحياتية الأخرى، التي تتعرض للتغيير والتحول بمقتضى الزمان، في صلب الحياة الإنسانية. واستخدم الإنسان، على مدى السنوات والقرون، قواه الفكرية ونشاطاته البدنية في تسخير ملايين الموارد الطبيعية لإدارة حياته وتنظيمها، وأخذ يستفيد من هذه المائدة المبسوطة بأساليب وطرق مختلفة.
غير أن هذه المسألة كانت تجري بصورة بسيطة وبدائية جداً لدى الإنسان الأول، ولكن مع مرور الزمن وبموازاة نضج ورقي الأفراد، وتضامن الشعوب، وتعرفهم على تراث الأنبياء والقوانين السماوية، ونشوء الحضارات، دخلت مسألة الاقتصاد واستثمار المواد الطبيعية في إطار أسلوب خاص ضمن قوانين خاصة وتحت أوضاع وحدود معينة، حتى بداية عصر الرأسمالية – أي قبل أربعة قرون – حيث تم تدوين "علم الاقتصاد" على أساس تفسير وتحليل الحياة الاقتصادية ومظاهرها المختلفة، وعلاقة تلك المظاهر بالأسباب والعناصر العامة المؤثرة في الحياة الإنسانية. 
                                                  * * * 
إن الثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا، والتقدم المذهل الذي حققته الحضارة الغربية في القرن الأخير، وارتفاع مستوى الحياة وتطور وسائل الاتصال وتنامي دور الآلة، وكذلك الهيمنة والنفوذ السريع الذي حققه المذهب الشيوعي المضلل والمخادع .. كل هذه العوامل أخرجت علم الاقتصاد من زاوية العزلة وطرحته باعتباره العامل الوحيد، أو أحد أكثر العوامل تأثيراً في التحولات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية وحتى الدينية.
ومن ثم انقسم العالم إلى معسكري الشرق والغرب، وخضع لنظامين اقتصاديين متضادّين. وقد أدى تناقض هذين المذهبين – خاصة في النصف الثاني للقرن العشرين – إلى وقوع جرائم مؤلمة وصراعات دامية، ولكنه في الوقت ذاته كان حافزاً في إجراء كثير من التحقيقات والدراسات العلمية الدقيقة وجعل علم الاقتصاد في عداد أهمّ العلوم الاجتماعية وأكثرها تعقيداً.
والمعسكران اللذان قسَّما الكرة الأرضية إلى فئتين متخاصمتين، لم يفكرا بغير الاقتصاد، وادعى كلٌّ منهما أنه وحده القادر على حل لغز الاقتصاد الآلي لعالم اليوم، وتقديم الأسلوب الأساسي والعادل لتوزيع الثروة بين عناصر (العمل – رأس المال – الآلة)! أما الخلافات الفلسفية والآيديولوجية والاجتماعية فما هي إلا قناع للأغراض الاقتصادية، وإن الذي يحظى بالأصالة عملياً في عالم اليوم هو الاقتصاد. وهكذا منحوا الاقتصاد صبغة "البنية التحتية" واعتقدوا بأن سائر مظاهر الحياة الأخرى بما فيها الفكر والعقائد المعنوية والملكات الأخلاقية والحاجات الفطرية والباطنية للإنسان ما هي إلاّ "بنى فوقية".
بيد أن الإسلام طرح مسألة الاقتصاد – على أساس أصالة الإنسان – باعتبارها جزءاً من مجموعة قوانينه – التي بمقدورها أن تنظّم جانباً من حياة الإنسان فحسب – واعتبر أن حلّ المشكلات الاقتصادية يكمن في إصلاح الأسس العقائدية والأخلاقية للناس. (2)

ومن خلال كثير من الآيات القرآنية نستطيع ان نبّين رأي الإسلام كما يلي:
لقد أوجد الله تعالى المصالح والمنافع كافة من أجل الإنسان، وهيأ كل شيء من أجل مواصلة حياته وسدّ احتياجاته المادية، ولكن الإنسان هو الذي خلق لنفسه المشكلات بالابتعاد عن تعاليم الأنبياء وإرشاداتهم وممارسة الظلم والكفر بالنعم الإلهية التي لا تحصى.
وهكذا يعدّ الإسلام ظلم الإنسان لنفسه والكفر بالنعم الإلهية، عاملين أساسيين لمشكلات الحياة البشرية. ونستطيع أن نوجز ظلم الإنسان: في التوزيع غير العادل للثروة، وإيجاد التفاوت الطبقي القاتل، وكفره بنعم الله بإهمال مصادر الثروات الطبيعية الغنية وعدم استخدامها بنحو صحيح. 
                                                  * * *
إن كتاب "الاقتصاد في المدرسة الإسلامية" (3)، الذي دوّنه قلم العلامة الجليل الإمام موسى الصدر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، يتناول العديد من القضايا الاقتصادية الأساسية بنظرة موضوعية ورؤية علمية تحقيقية، ويوضح دور كل عنصر من العناصر الأصلية للاقتصاد البشري (4) في وحدة إنتاجية واحدة من وجهة نظر الأنظمة الاقتصادية المختلفة في العالم. ثم يستعرض مكان وأهمية عناصر الإنتاج في المدرسة الاقتصادية الإسلامية. وبعد المقارنة بين هذه المدرسة وأرقى نظريات المذاهب الاقتصادية في العالم، يستنتج أن النظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على أساس الحقائق العينية والحقوق الثابتة لعناصر الإنتاج، وإن مثل هذا النظام لا يمكن أن يكون إلا نظاماً إلهياً.
وقد درس كاتب هذه السطور هذا الكتاب القيّم وأضاف عليه هوامش اعتبرها ضرورية لتوضيح بحوث الكتاب وتكاملها، لا سيما وهو يوضع في متناول الذين سئموا من تناقضات وعجز المذاهب المادية الحديثة، ويبحثون عن نظام اقتصادي ثابت وخالد، وحرّ وعادل، ينسجم مع حقائق الحياة الإنسانية.
23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 م. 

                                                  * * *
الاقتصاد في المدرسة الإسلامية

البحث الأول: العمل عنصر تحديد القيمة
البحث الثاني: تنامي الثروة
البحث الثالث: توزيع الثروة

البحث الرابع:
القيمة الفائضة

البحث الخامس:
التجارة والقيمة الفائضة

البحث السادس:
أسس منهج الاسلام في توزيع الثروة
البحث السابع: حصة العمل – رأس المال – والآلة في الاسلام
 

                                                  * * *
البحث الأول

العمل عنصر تحديد القيمة

• العمل يحدد القيمة!
• هل العمل هو العامل الوحيد في تحديد قيمة الأشياء؟
• هكذا عرَّفوا الإحتياجات الإقتصادية
 
                                                  * * *

العمل يحدد القيمة!
مع أنّ علم الاقتصاد يعدّ حالياً أحد أهم المسائل وأكثرها تأثيراً في العلوم الاجتماعية، لكنه علم حديث، دُوِّنت أُسسه وأصوله منذ أربعة (أو خمسة) قرون فقط، فأصبح مثل سائر العلوم له مبادئ وقوانين.
ولذلك عندما نتحدث عن الاقتصاد في الإسلام، فإننا نعني الأحكام والقوانين التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسائل هذا العلم، وإن لم يرد اسمه أو ذكر أصوله – كعلم – في النصوص الدينية (5).

ومن خلال مطالعة هذه الأبحاث، يدرك القارئ جيداً أنّ القوانين الاقتصادية الإسلامية وضعت وعرضت للعالم بمنتهى الدقة، آخذة بنظر الاعتبار تحولات الزمان، دون أن تسمح باستغلال العامل أو إضمار الحقد لرب العمل، ومتسمة ببعد نظر خاص يؤكد كونها من آثار القوانين الإلهية.
وبما أنّ توضيح أبعاد هذه المدرسة والدفاع عنها بحاجة الى عدة مقدمات ليتم الرد على الإنتقادات التي قد توجه الى هذه الأصول، لذلك ندعو القراء الى مطالعة هذه السلسلة من الأبحاث (6).

تتلخص العناصر الأساسية للاقتصاد في ثلاثة، هي: العمل - المال - الآلة. ومن خلال معرفة هذه العناصر الثلاثة ودور كل منها في الإنتاج، يمكن بيان أصول النظم الاقتصادية المختلفة في العالم.

ويختلف مؤسسو هذه النظم حول دور كل واحد من هذه العناصر في العملية الإنتاجية، فقسّموا، في نهاية الأمر، العالم إلى مجموعتين أصليتين وعدة وحدات اقتصادية مختلفة.
فقد منحت مجموعة من الاقتصاديين القدماء والجدد الدور الأكبر والأساس في هذا التقسيم الى رأس المال، ولم يعترفوا للعامل إلا بـ"الأجور"، أي المبلغ الذي يؤمّن له الحياة ليستأنف العمل مرة أخرى.
وقد تعرّض هذا النظام – الذي أطلقوا عليه: الرأسمالية على طول التاريخ – لتغييرات كمية مهمة، حيث زادت هذه الأجور وتحسّن الوضع المعيشي للعامل وفقاً لتطور الحياة المادية وارتفاع مستوى المعيشة.
ولكن هذه التغييرات كانت في أساسها تغييرات شكلية ولم يكن للعامل حصة في نتيجة العمل، ولم تتغير نظرة رب العمل إليه: "إنه أحد وسائل الإنتاج، وينبغي الإحتفاظ به للعمل والترغيب فيه بأقل التكاليف والأجور التي تنطبق مع الأوضاع والتحولات العالمية" (7).

وقد اتبع هذا الأسلوب "المركانتليون" (8) (أحد المذاهب الاقتصادية القديمة، عاش أتباعه عموماً في القرن السادس الميلادي في إسبانيا والبرتغال)، والفيزيوقراطيون (9) (عاش علماء ومؤسسو هذا المذهب في أواخر القرن الثامن عشر في فرنسا وسائر أنحاء أوروبا) واتبعته معظم الإتجاهات الاقتصادية المعاصرة أيضاً (10).

وقد سلك عدد من علماء الإقتصاد، خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي، إتجاهاً معاكساً تماماً، وقالوا: إنّ الناتج الحاصل بأجمعه هو من نصيب العامل، ولم يعترفوا بأية حصة لرأس المال ووسائل الإنتاج.
وأطلق هؤلاء على الربح الذي يجنيه رب العمل من الإنتاج تسمية "القيمة الفائضة" (11) أو بالأحرى: فائض القيمة. واعتبروا ذلك نوعاً من السرقة والتجاوز على حقوق العامل، ووجهوا حَرْبة كفاحهم السياسي والفكري ضد هذا الربح، الذي يعدّ أساس الرأسمالية وفق اعتقادهم. ويعدّ الماركسيون - الذي يتبعون "ماركس" (12)، العالم الاقتصادي الألماني المعروف - من أبرز أنصار هذه النظرية.
وتقسم المجموعة الثالثة الربح الناتج على العناصر الثلاثة المذكورة - أي العمل ورأس المال والآلة - ويرَون ضرورة انتفاع هذه العناصر الثلاثة مع وجود الاختلافات المتنوعة.
وتقع ضمن هذه المجموعة النظم الرأسمالية الإرشادية (أي أنصار تدخل وإرشاد الدولة في الإنتاج).
وقد حاولنا في هذه الأبحاث أن ندرس - بدقة وموضوعية وبعبارات واضحة وبعيداً عن التعصب – هذا الاختلاف الكبير الذي يعدّ أساس أهم مشكلات العصر، متفهمين جيداً هدف مؤسسي هذه المناهج، منتقدين إياها ومذعنين للحق في أي جانب كان.
وسنتناول دراسة هذا الهدف ضمن الإجابة عن الأسئلة التالية:
هل العمل هو العامل الوحيد في تحديد قيمة الأشياء؟
2- هل تسير ثروة الإنسان نحو الازدياد؟
3- كيف يجب توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها؟
4- ما هي مصادر ظهور رؤوس الأموال الموجودة؟ وهل يمكن اعتبارها مشروعة؟

العمل وتحدد القيمة
سنوضح أولاً كمقدمة معنى الإنتاج، وكذلك المقصود من الاحتياجات الاقتصادية من حيث العلاقة بموضوع بحثنا:

الإنتاج
خلافاً لمفهومه الظاهري المتداول في البحوث الاقتصادية، لا يطلق على خلق وإيجاد مادة معيّنة، بل على النشاط الذي يؤدي لإيجاد وضع جديد وحالة جديدة في الموجود، بشرط أن يجعل هذا الوضع وهذه الحالة ذلك الموجود قابلاً للإستخدام.. مثلاً: يقوم مصنع صهر المعادن بعزل مركبات الحديد الخام بعضها عن بعض بطريقة خاصة، ويضع الحديد الخالص بيد الصانع الذي بدوره يحوّل هذا المعدن الخالص إلى أعمدة حديدية وسيارة وباب وقفل ومفتاح، أو يحوّل معدناً نفيساً إلى أشياء جميلة تُستخدم للزينة.
في هذه الأمثلة: يسمى تصفية الحديد وتغيير شكله، وجعله خالصاً وقابلاً للاستخدام، وكذلك تحويل المعدن النفيس إلى شيء جميل، إنتاجاً. في حين لم يتم خلق أي شيء في هذه الأمثلة الثلاثة، وإنما تجلّت الصناعة وظهرت حالة خاصة في هذه الموجودات يستفيد منها المستهلك.
والفلاح أيضاً لا يُستثنى من هذا القانون، حيث أنّ فعالياته من الحرث والسقي والزرع، وبمساعدة العوامل الطبيعية المختلفة من الماء والهواء وأشعة الشمس، تحدث تحولاً في حبة القمح أو سائر المحصولات وتجعلها قابلة للأكل.
هذا النوع من التحولات يسمى في علم الإقتصاد بالتحولات الكمية.
وقد عدّ علماء الإقتصاد التجارة أيضاً عملاً إنتاجياً، لأنها تمنح حالة جديدة للسلعة من خلال الحمل والنقل والتوزيع، وتجعلها في متناول المستهلك.

هكذا عرَّفوا الإحتياجات الإقتصادية
لا تطلق الحاجة في علم الاقتصاد على معاناة الإنسان إزاء حرمانه من شيء فحسب، بل إنّ كل رغبات الإنسان تعدّ من وجهة النظر الاقتصادية حاجة. وبناء على هذا، فإنّ كل شيء يرغب فيه الإنسان ويميل إليه يُعتبر ضمن الاحتياجات الاقتصادية، سواء كان هذا الشيء من ضرورات حياته، أو من وسائل الترفيه أو للترف. ولا نريد الخوض في تفاصيل أكثر بهذا الصدد، بل نتحدث حول السؤال ذي العلاقة بالبحث. ومن خلال دراسة أولية لمختلف الأشياء نتوصل إلى أنّ قيمتها تتوقف على العاملين التاليين:
أ) الحاجة الاقتصادية إلى ذلك الشيء، بحيث كلما ازدادت الحاجة إليه وأصبح كثير الاستهلاك، ارتفعت قيمته.
ب) قلّته أو كثرته في الطبيعة، وبتعبير آخر: كون الشيء في متناول اليد، بحيث كلما كثر مقدار وجوده انخفضت قيمته، وكلما قلّ وجوده ارتفعت قيمته. وعليه، تكون العلاقة بين القيمة ومدى توافره في الطبيعة علاقة عكسية.
ما تم طرحه حتى الآن واضح لا شك فيه، ولكنهم عدّوا مثل هذه القيمة ذاتية وطبيعية، ولم يعترفوا بها لأنها تختلف تبعاً للحالات والخصوصيات الموجودة في الإنسان. وطرحوا قيمة أخرى باسم القيمة التجارية وعرّفوها بـ"قياس الأهمية الاقتصادية لشيئين أو أكثر في العلاقات الاقتصادية بين أفراد المجتمع".
وبعبارة أوضح: أطلقوا على العلاقة المعيّنة التي يتم بموجبها تبادل البضائع المختلفة تسمية القيمة التبادلية، سواء كان هذا التبادل مباشراً وبدون تدخل النقد، أو بالنقد الذي يعدّ في الحقيقة وسيلة بحتة، وتعبيراً عن القدرة الشرائية ووثيقة مقدار البضاعة. وقد جرى البحث حول هذا النوع من القيمة والعامل الذي يحددها، حيث يعتقد "ماركس" أنّ العمل هو وحده الذي يحدد هذه القيمة لأنه هو العامل المشترك الوحيد بين المحصولات المنتجة والمتبادلة. إذ يقول: إنّ كل سلعة هي في الحقيقة عبارة عن كمية من العمل المتجسد فيها، أو أنّ العمل هو جوهر القيمة التبادلية حسب تعبيره. وبناء على ذلك، يكون تبادل السلع في الحقيقة تبادلاً بين الأعمال المختلفة.

ويقول أيضاً: إذا أسقطنا العمل من الحساب فلا يبقى هناك أي عامل مشترك يجمع بين البضائع التي تختلف عن بعضها اختلافاً كاملاً من حيث النوع والصفة.
ويقول "ماركس" في كتابه المعروف "رأس المال": "لنفرض أنّ 75 كيلو غراماً من الحنطة يساوي مئة كيلو غرام من الحديد، فماذا يعني هذا التساوي؟ يعني أنّ هناك عاملاً مشتركاً بين هذين الشيئين (الحنطة والحديد)، ولا يمكن أن يكون هذا العامل المشترك من خصائصهما الطبيعية، لأنّ هذه الخصائص لا تدخل في الحساب إلاّ بقدر ما تمنحهما من منفعة استهلاكية. فإذا أسقطنا الخواص الطبيعية، أي المنفعة الاستهلاكية، عن الحساب، فإنه لا يبقى للسلع إلاّ صفة واحدة، وهي أنها نتيجة للعمل".

ثم بحث في شرح العمل الذي يعدّه عامل تحديد القيمة، وفسّره بالعمل الاجتماعي، معتبراً الأعمال غير الاجتماعية خارجة عن البحث، وقسّم بعد ذلك الأعمال إلى بسيطة ومركبة، ومتجسدة ومجردة، واعتبر العمل البسيط والمجرد هو المعيار.
وفي توضيح هذا الجانب سنتحدث عن آراء ومعتقدات "ماركس"، فنبحث بشكل عام في هذه النظرية التي تعدّ أحد أهم أفكار "ماركس" الاقتصادية: "العمل هو العامل الوحيد لإيجاد القيمة التبادلية والعامل المشترك الوحيد في تبادل السلع".
في البدء نطرح سؤالين. وبعد توضيح الأمثلة، نبدأ بنقد هذه النظرية:
ثمة سلعتان متساويتان على مستوى الحاجة البشرية إليهما، ومتساويتان أيضاً من حيث الوفرة، وإن استنزفت إحداهما عملاً أكثر من الأخرى في الإنتاج، ففي هذه الحالة هل يتم تبادل سلعتي العمل هاتين بالتساوي أم لا؟

وإذا استهلكت السلعتان عملاً متساوياً في الإنتاج، ولكن كانت الحاجة الإقتصادية الى إحداهما أكثر من الأخرى أو تتوافر إحداهما أكثر من الأخرى، هل تكون قيمتاهما متساويتين؟
مثلاً: هناك سلع متوافرة بشكل طبيعي وذات قيمة مرتفعة، ولكن يجري عليها عمل قليل، وتكون أحياناً أعلى قيمة – بكثير من بضائع استهلكت عملاً كثيراً. فقيمة النفط الخام والمياه المعدنية والأحجار النفيسة والسمك وأنواع الصيد، أعلى بكثير من قيمة أحجار البناء والطابوق والجص والحطب الذي يجلب إلى المدينة كوقود. بل هناك سلع ذات قيمة مرتفعة من دون أن يبذل أي عمل فيها مثل الينابيع، وبالعكس فقيمة المجوهرات المصنعة التي تبذل أعمال كثيرة ومعقدة لصياغتها أقل بكثير من قيمة المجوهرات الطبيعية.
وقد يبذل خياطان في إنتاج قطعتي لباس، أو رسامان لتحضير لوحتين، أو فنانان لعملين فنيين، جهداً متساوياً، ولكن تتدخل عوامل كالمهارة والشهرة والموضة والصدفة فتجعل قيمة إحداهما أكثر من الأخرى. وأخيراً نلاحظ عجز هذه النظرية عن تبرير وبيان أسباب رخص إنتاج الصناعة الآلية إزاء إنتاج الصناعة اليدوية، كالسجاد مثلاً.
من خلال التأمل في السؤالين السابقين ودراسة هذه الأمثلة وغيرها، يدرك المرء جيداً أنّ العمل لم يكن وحده عاملاً مؤثراً في كمية القيمة التبادلية. بل إنّ التأثير الأكبر هو للعاملين السابقين أي مقدار الحاجة الى السلعة وكثرتها، واللذين يمكن التعبير عنهما بالعرض والطلب بالمعنى الواسع. ومن البديهي أن يجري تقييم معدّل هذين العاملين أو تقييمهما معاً، كما يقول "ماركس".
ومن خلال دراسة الموضوعات أعلاه نستطيع اختيار الكسر التالي لمعادلة القيمة:

قيمة السلعة (التبادلية والطبيعية) = الحاجة الإقتصادية إليها / وفرتها

واللافت للانتباه في المعادلة السابقة هو أنّ هذين العاملين، المعبّر عنهما بصورة البسط والمقام، يشتركان في جميع السلع ولا يقتصران على العمل، وبذلك يمكن رفض أهم أدلة النظرية السابقة.
ونظراً لصعوبة مراعاة هذه المعادلة ومراعاة معدّلها أو مجموعها، وتلافي أخطائها، جُعل النقد وحدة التقييم، فأصبح يمثل القدرة الشرائية ومقياس القيمة التبادلية، فضلاً عن كونه ممثلاً عن مقدار السلعة التي يتم عرضها وتقديمها إلى المجتمع.
يقول البروفسور "جيد" العالم الاقتصادي الفرنسي المعروف، حول القيمة التبادلية:
"لا شك أنّ العمل والطبيعة يخلقان موضوع القيمة، ولكن القيمة لا تكمن في هذا الموضوع بل في خارجه.. فالقيمة عبارة عن خيط من ضوء رغبتنا وأملنا الذي يسلط على الأشياء فتلمع قيمتها ما دامت الأضواء مسلّطة عليها ثم يلفّها الظلام. فلو كانت قيمة كل شيء هي العمل المتجسد فيه، لا بد من الإذعان – إذاً – إلى أنّ كل قيمة ستبقى ثابتة حتماً لأنه لا يمكن تغيير ما قد مضى ولا يمكن القيام بعمل للحيلولة دون وقوع ما قد حدث".
وينتقد البروفسور "جيد" نظريات "ماركس" حول العمل المجرد والعمل المتجسد، وتغيير الأعمال المعقدة إلى بسيطة، وكيفية احتساب الزمن اللازم للعمل، ويعتبرها أموراً نظرية وفرضيات غير علمية.

وحول عامل تحديد القيمة طرحت نظريات أخرى من قِبل المدرسة الكلاسيكية (من المدارس الإقتصادية البريطانية القديمة)، ومن قِبل علماء المدرسة الروحية الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ولكن نظراً للبحث التفصيلي حول نظرية "ماركس" وللشرح الذي قدّمناه في مجال التوضيح، لا نعتقد أنّ هناك حاجة لانتقاد وبحث هذه الآراء بشكل مستقل. ولذلك نبدأ بالإجابة عن سؤالنا الثاني. 

                                                  * * *
البحث الثاني

تنامي الثروة

• هل الثروة في تنامٍ مضطرد؟
 
                                                  * * *

علمنا في جواب السؤال الأول – في الفصل الأول – بأنه لا يمكن اعتبار العمل العامل الوحيد في تحديد القيمة. ولكن يجب أن نعلم بأنّ العمل مع الطبيعة يولّد الثروة في معظم الأحيان، وينتج الموضوع ذا القيمة. وعليه، يمكن القول بأنّ العامل الإنساني الوحيد للإنتاج هو العمل. ويجب عدم الخلط بين ميّزتي العمل هاتين: "العمل هو العامل الإنساني الوحيد لتوليد الثروة والمادة ذات القيمة"، و"إنّ هذا العمل لا يلعب أي دور في تحديد القيمة".
لقد بسط الله تعالى مائدة الطبيعة بملايين المواد المتنوعة وآلاف القوى الخفية والظاهرة. وبعد أن أكرم الإنسان بالعقل وقوة العمل دعاه إلى الاستفادة من منابع الثروة التي لا حدّ لها. وبدوره استفاد الإنسان على مدى القرون والعصور الطويلة الماضية، وبالتدريج، من هذه المائدة المبسوطة في أمور معاشه وتحسين مستوى حياته، حتى لم يعد أسلوب الحياة المادية للإنسان اليوم من حيث المأكل والملبس وسائر الجوانب يشبه الأسلوب الذي كان عليه في الماضي. ويلاحظ هذا التكامل الذي يجري بسرعة خارقة بوضوح منذ بداية ظهور الثورة الصناعية العظيمة في أوروبا.

ومن خلال ما ذكر، وبدراسة الأرقام التي نشرتها الأمم المتحدة بشأن تطور مستوى حياة الناس وتنمية الصناعات والمعادن، وازدياد المنتجات الغذائية، وتكامل وسائل الحياة، يتضح - بشكل جيد وكامل – جواب السؤال الذي ندور حوله: "هل ثروة البشر في تنامٍ مضطرد"؟
غير أنّ وضوح هذا الجواب لم يستطع أن يحول دون تأمل كبار علماء الاقتصاد. وفي نهاية الأمر، صار بعض هؤلاء العلماء يشككون في تنامي الثروة في بعض مجالات الإنتاج، وينكرون ذلك.

ويقول هؤلاء على أساس أصل: "القيمة = العمل المتجسد" الذي اعتقدوا به في البحث السابق أنه:
"عند حساب قيمة سلعة ما، يجب علينا أن نلتفت إلى مقدار العمل الذي تم في المرحلة الأخيرة، وإلى مقدار العمل الذي تجسد قبل ذلك في المواد الأولية، وكذلك إلى مقدار العمل الذي كان ضمن وسائل العمل، أي الأدوات والآلات والبناية ومحل العمل. فمثلاً: قيمة العمل، الذي تم مسبقاً في القطن، وقيمة العمل الذي تجسد في الفحم والزيت وسائر المواد المستخدمة، وقيمة العمل الذي كان موجوداً في الآلات والمغازل وبناية المصنع وغير ذلك.. قد استُهلكت بالكامل – كما هو الحال مع المواد الأولية – وانتقلت مباشرة إلى السلعة التي شاركت في إنتاجها. ولكن نظراً لاستهلاك المغزل بمرور الوقت؛ مثلاً: يجري الحساب اللازم لإنتاج تلك السلعة ومعدّل استخدام المغزل خلال فترة زمنية معيّنة، كأن تكون يوماً واحداً مثلاً؛ وهكذا يُحسب مقدار القيمة التي تنتقل من المغزل في الخيط الذي ينتجه في اليوم الواحد".

فمن جهة يعتقد هؤلاء العلماء بأنّ قيمة كل واحد من عناصر الإنتاج المختلفة، من عمل العامل والمواد الأولية وأدوات الإنتاج والوسائل والمواد المستهلكة، هي بمقدار العمل المتبلور فيها. ومن جهة أخرى، يعتبرون قيمة المحصول الناتج متساوية مع مجموع العمل الذي جرى القيام به في مجموع عناصر الإنتاج.
وبما أنهم يوفّقون بين هاتين المقدمتين وأصل "القيمة تساوي العمل المتجسد"، يستنتجون بأنّ قيمة المحصول الناتج تساوي قيمة عناصر الإنتاج، لأنّ العمل المتجسد في المحصول الناتج يساوي مجموع العمل المتجسد في مجموع عناصر الإنتاج.
ومثل هذا يعدّ – على وجه التحديد – إجابة بالنفي عن سؤال البحث بشأن سلسلة المنتجات الصناعية، لأنه بهذا الاستدلال لم تحصل ثروة إضافية أو قيمة زائدة على ما كانت موجودة (وهذا يعني أنّ الثروة ثابتة).
وقد أصبحت هذه الأبحاث وسيلة أخرى للهجوم على أرباح رب العمل وصاحب رأس المال، لأنّ الربح الذي يحققه رب العمل في هذه الحالة – مع فرض صحة هذه المقدمات – يعدّ جزءاً من حقوق العامل.

كان هذا خلاصة للأحاديث والخطب التي ألقاها "ماركس" في الاجتماع العام لجمعية العمال الدولية (الاجتماع الدولي الأول)، فيما يخص موضوع البحث.
بيد أنّ القارئ العزيز سوف يشكك في صحة هذا البحث إذا ما أخذ بنظر الاعتبار المسألتين اللتين شرحناهما في الأبحاث السابقة. وكانت إحدى هاتين المسألتين عامل تحديد القيمة، حيث تم إثبات أنّ قانون "العرض والطلب" بمعناه الواسع هو الذي يحدد القيمة وليس العمل. والمسألة الأخرى هي شرح عامل إيجاد القيمة ومنتج الثروة، حيث علمنا أنّ العمل وحده لا يستطيع أن يلعب دوراً في توليد الثروة والمادة ذات القيمة، بل إنّ الطبيعة هي التي تعدّ المادة الأصلية للثروات. وعندما يجري العمل عليها تتولد الثروة وينتج الشيء القيّم.
والآن نستطيع أن ندّعي أنّ الثروة التي تحققت في إنتاج صناعي هي أكثر من مجموعة الثروة التي استُخدمت في سبيل إنتاج ذلك، لأنه فضلاً عن العمل الذي تم القيام به في هذا الإنتاج استُثمرت الطبيعة أيضاً باعتبارها المصدر الرئيسي للمواد الخام ووسائل الإنتاج - ومن ثم تولدت مادة أكثر قيمة من الأعمال المتنوعة التي تم القيام بها.

فمثلاً في إنتاج الحبل تُنجز أعمال متنوعة، بمعنى أنّ العامل قد عمل، وبذل الفلاح مقداراً من العمل في إنتاج القطن، وتم القيام بالعمل في إعداد الفحم والزيت وسائر المواد الضرورية، كما عملت المكائن والآلات والمغازل في إطار الإنتاج، غير أنّ إنتاج الحبل لم يتم بهذه الأعمال وحدها بل جرى أيضاً استخدام قسم من الطبيعة، أي أنّ الطبيعة والمواد الطبيعية ساهمت مساهمة كبيرة في إنتاج القطن، وإنتاج الفحم والزيت، وفي إنتاج المكائن والآلات والمغازل. وبناء على هذا، امتزج مقدار من العمل – بأشكال مختلفة – مع مقدار من المواد الطبيعية – بأشكال مختلفة – حتى تم إنتاج حبل قطني مفتول.

وهكذا نرى بشكل واضح أنه ليس ثمة تكافؤ بين المادة المنتجة وبين العمل الذي بُذل في إنتاجها، بل إنّ المادة المنتجة تزداد عليه. وبذلك تكون قيمة السلعة التي أنتجت أكثر من قيمة العمل المبذول، ويكون الجواب عن السؤال المطروح إيجابياً بشكل واضح ومستدل. وهكذا، يكون ازدياد الثروة في سائر الأقسام مثل الزراعة وتربية الحيوانات واضحاً بشكل كبير وبديهي.
وتعتبر دراسة الأفكار والمعتقدات التي طرحها كبار علماء الاقتصاد في الرد على تكهنات "مالتُس" (13) ، العالم الاقتصادي والفيلسوف البريطاني، أفضل دليل على صحة ما نقول.

ولد "روبرت مالتُس"، وهو أحد علماء المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية، عام 1766 للميلاد وتوفي عام 1834. وقد اعتقد "مالتس" طبقاً لحسابات كثيرة ومفصّلة وأبحاث عديدة بأنّ ازدياد عدد السكان يتضاعف في كل خمس وعشرين سنة، ويكون أربعة أضعاف في كل خمسين سنة، وثمانية أضعاف في كل خمس وسبعين سنة، وستة عشر ضعفاً في كل مئة عام. في حين أنّ ازدياد المواد الغذائية الضرورية للبشر يجري بشكل متوالية عددية. أي أنّ مقدار المواد الغذائية يزداد ضعفاً واحداً في كل 25 سنة. فيكون مقدار المحصولات الغذائية في السنة الخامسة والعشرين ضعفين، وفي السنة الخمسين ثلاثة أضعاف، وفي السنة الخامسة والسبعين أربعة أضعاف، ويكون خمسة أضعاف في كل مئة عام. ونظراً لمحدودية الأراضي الصالحة للزراعة فإنّ ازدياد المواد الغذائية سيتوقف في وقت قريب.

ومن خلال دراسة هاتين العلاقتين يعرب "مالتُس" عن قلقه البالغ إزاء مستقبل الإنسان. ومن أجل معالجة وحل هذا الخطر المرعب يطالب بإيقاف التناسل والولادات، بل يطالب أيضاً بالرهبانية والكف عن الزواج، أو أن تؤدي الحروب أو الأمراض الفتاكة بشكل تلقائي إلى إيجاد العلاقة المناسبة بين عدد السكان ومقدار المواد الغذائية. وبعد "مالتُس" أخذ أتباعه الذين سُمّوا "المالتسيين الجدد" يغيّرون نظرياته، ويصححون أخطاءه، وطرحوا نظريته على النحو الآتي: "إنّ ازدياد عدد السكان، سواء كان في العالم كله أو في بلد واحد، لا يتناسب مع ازدياد مقدار المواد الغذائية".
ولكن علماء الاقتصاد في العالم بعد "مالتس" - إلاّ فئة قليلة - رفضوا آراءه، واعتبروا تخميناته بعيدة عن الواقع وباطلة.

ولم يتحقق أي مصداق – ولو في منطقة واحدة من العالم – للنظرية التي طرحها "مالتس" حول زيادة عدد سكان العالم. كما أنّ الأرقام التي نُشرت حول عدد سكان العالم في بداية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكذلك الإحصاءات التي صدرت حول ازدياد مقدار المواد الغذائية، زعزعت أسس تكهنات "مالتس".

وبصورة عامة يمكن القول: إنّ ثمة علاقة ثابتة متينة بين ازدياد عدد سكان العالم وبين ازدياد مقدار المواد الغذائية، وكلما ازداد عدد السكان إزدادت معه مساحة الأراضي المزروعة، حيث يُعمد إلى زراعة الأراضي المتروكة، كما يتم اتّباع طرق وأساليب علمية لزراعة الأراضي غير الصالحة للزراعة، ومن خلال الأساليب الحديثة تستثمر الأراضي بصورة أفضل. وأخيراً، يسخّر الإنسان في عملية تحضير المواد الغذائية عوامل غير الأرض كالماء والهواء والعِلم.

وكذلك يمكن أن نلاحظ بوضوح تام أنّ شحة المواد الغذائية تؤدي بشكل تلقائي إلى تضاؤل السكان وقلة التناسل والتكاثر، وبالتالي حفظ المعادلة بين الطرفين.
ولعل حصيلة تجربة المئة قرن الماضية والنمو الفاحش لعدد السكان، وتناسب مقدار المواد الغذائية مع ذلك، خاصة في القرنين الماضيين التي مضت على تاريخ انتشار أفكار "مالتس"، أفضل شاهد وأقوى دليل يؤكد بطلان أفكاره.

وسنحاول بحث ومناقشة نظريات "مالتس" وحساباته وحسابات أتباعه، والإشكالات التي أثارها العلماء بوجهه، وكذلك المعتقدات الدينية بشأن ازدياد السكان وأسباب ذلك إذا ما سنحت الفرصة. وإنّ ما دعانا الى إثارة الموضوع هنا، الإشارة الى أنّ ازدياد ثروة الإنسان وازدياد المواد الغذائية الضرورية لحياته، هما من مسلّمات وبديهيات علم الاقتصاد، ولم ينكرهما أحد. 

                                                  * * *
البحث الثالث

توزيع الثروة 

• كيف يجب توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها؟
• المنهج الماركسي
• نقد
• الجواب الأول
• الجواب الثاني
 
                                                  * * *

توزيع الثروة
علمنا من البحوث السابقة أنّ:
1- العمل مع الطبيعة يؤدي، في معظم الأحيان، الى إنتاج سلعة ذات قيمة.
2- ليس العمل بأي حال عامل تحديد القيمة.
3- قيمة الثروة الناتجة أكثر من قيمة العوامل المنتجة لها.
والآن سنتحدث حول السؤال الثالث الذي يشكّل محور بحثنا في موضوع (العمل - رأس المال - الآلة).

كيف يجب توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها؟
للإجابة عن هذا السؤال سنتحدث عن الآراء الاقتصادية المعروفة التي أوجدت النظم الاقتصادية المهمة المعاصرة، ثم نتناول الأفكار التي طرحها الدين الإسلامي في هذا الشأن.

المنهج الماركسي
إنّ الجزء الأهم من نظريات "ماركس" الاقتصادية إهتم بالإجابة عن هذا السؤال. كما أنّ أكبر إشكال اقتصادي في هذا القرن تضمّنه هذا البحث، ونعني: القيمة الفائضة.
لقد أقام "ماركس" في أحاديثه وخطاباته هذه النظرية وهذا الإشكال على أساس مقدمتين، يقول في الأولى: "إنّ قيمة كل سلعة في السوق هي نفس قيمة تكاليفها المحسوبة بالنقد". ذلك أنّ قيمة سلعة من السلع في السوق هي في الغالب واحدة ومتشابهة، رغم اختلاف ظروف الذين ينتجونها، وتباين رؤوس الأموال والأعمال المختلفة والمتنوعة التي استخدمت في إنتاجها. ومن ثم يجب القول إنّ قيمة السلعة يحددها معدل العمل المبذول لإنتاجها (أي أنّ معدّل العمل المبذول هو الملاك في تحديد القيمة). وبتعبير "ماركس" نفسه: "قيمة السوق توضح فقط مقدار معدّل العمل الجماعي اللازم في معدّل ظروف الإنتاج".
صحيح أننا نرى قيمة سلعة معيّنة في السوق في ارتفاع وانخفاض، ولكن هذا التذبذب والاختلاف في القيمة إنما هو حالة مؤقتة تحصل حسب ازدياد حاجة الناس الى السلعة أو كثرتها وشحّتها، أي أنها تتبع تذبذب العرض والطلب. وبما أنّ حالة التذبذب هذه مؤقتة، لأنّ ازدياد حاجة الناس إلى سلعة معيّنة يؤدي تلقائياً إلى إنتاجها وعرضها بكثرة، وفي المحصّلة يقوم التوازن بين العرض والطلب، وتزول التذبذبات والتغييرات في قيمة السوق أيضاً لأنها تابعة لتذبذب العرض والطلب، وتبقى قيمة السلعة ثابتة تقريباً، وهي نفس قيمة تكاليفها.
وطبقاً لما يقوله "آدم سميث" مؤسس "المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية" فإنّ القيمة الطبيعية لكل سلعة هي بمنزلة القطب الذي تدور حوله قيمة السوق وتميل إليه وتقترب منه بالتدريج.
وبناء على ما مر، فإنّ قيمة كل سلعة في السوق - مهما تغيّرت واختلفت - ستطابق القيمة الحقيقية لتلك السلعة أي "قيمة الكلفة".
أما المقدمة الثانية التي كرّست لإثبات نظرية "ماركس" فقد تم التطرق إليها في البحوث السابقة: "القيمة الحقيقية لكل سلعة تساوي قيمة الأعمال التي بُذلت في إنتاجها وتجسدت فيها".
ويُستنتج من هاتين المقدمتين أنّ "من الخطأ التصور بأنّ الربح الثابت والبسيط الحاصل من إنتاج سلعة معيّنة، ناجم عن قيمة تلك السلعة، أي أنّ السلعة بيعت في السوق بقيمة تفوق قيمتها بكثير".
ثم يضيف قائلاً: "من أجل بيان ربح سلعة معيّنة لا بد أن يبدأ التحقيق والدراسة، إنطلاقاً من أنّ قيمة كل سلعة، أو العمل الذي استغرق في إنتاجها، تساوي قيمتها في السوق، وإذا لم تستطيعوا حساب الربح على هذا الأساس فإنكم لم تخطوا خطوة واحدة في سبيل إيجاد الربح".
وبهذا الاستدلال يريد أن يثبت أنّ قيمة كل سلعة هي فقط بمقدار العمل المبذول فيها، وبهذه القيمة أيضاً يجري عرضها في السوق، ويكون التعامل في البيع والشراء على أساسها. وبناءً على هذا يقتضي قانون العدالة أن يتم حساب القيمة الحاصلة من بيع السلعة في السوق بنفس الأعمال المنتجة للسلعة، وأنّ الربح الذي يحققه صاحب رأس المال من بيع السلعة يشكّل قسماً من قيمة السلع، أي قسماً من العمل الذي أُنجز في إنتاجها، وهذا الفعل يعتبر سرقة لقسم من حقوق الآخرين، أي العامل.
وفي رأيه، لا يتحقق التوزيع العادل للثروة المنتجة إلاّ إذا قسّمنا الربح الحاصل بنسبة العمل المبذول، أي عمل العامل. أما العمل المبذول في استهلاك المكائن والآلات وفي توفير رأس المال، فيحصل كلٌ منها على نسبة معيّنة من الربح، مع ملاحظة أنّ جميع الآلات ورأس المال لا يُستهلك في إنتاج واحد، لذلك يجب حساب المقدار المستهلك منها فحسب.
ومع هذا الاستدلال يُعتبر الربح الخالص – الذي يكون أساس ازدياد رأس المال – مغصوباً ومسروقاً، لأنّ هذا الربح هو فوائد يجنيها صاحب رأس المال بعد دفع أجور العامل وإخراج مبلغ إزاء استهلاك الآلات، ودفع ربح رأس المال سواء كان منه أو لم يكن. ويسمّي "ماركس" هذا الربح الخالص Plus Value، أي "القيمة الفائضة"، ولا يعتقد بتحقق أي ربح ليصادره رب العمل لصالحه، بل إنّ ما تحقق هو قيمة السلعة، أي قيمتها الواقعية، والتي هي نفس قيمة الأعمال المبذولة، فيجب أن تكون من نصيب هذه الأعمال.

نقــد
من الواضح أننا لو قبلنا المقدمتين اللتين تشكلان أساس نظرية "ماركس"، فلا يبقى أمامنا غير الاعتراف والإقرار بعقيدته. غير أننا لا نؤمن بأيٍّ من هاتين المقدمتين، ومن ثم نملك جوابين مقابل استدلال "ماركس" سنوضحهما مع الأخذ بنظر الاعتبار البحوث التي مرّت علينا.

الجواب الأول
ذكرنا في الفصل الثاني هذا الموضوع بشيء من التفصيل، وهو أنه في وحدة إنتاجية، صناعية أو غير صناعية، تتداخل أعمال متنوعة مع الطبيعة وتحصل ثروة أكثر من العمل المبذول فيها. وبناء على هذا، تكون القيمة الواقعية للسلعة المنتَجة دائماً أكثر من كلفة الإنتاج. وقد ذُكر أنّ إنتاج سلعة معيّنة يجري بواسطة أعمال متنوعة من العمل والعامل والعمل المتجسد في الآلات والعمل المتجسد في رأس المال، إضافة إلى الطبيعة الكامنة في الآلة ووسائل الإنتاج، أو في رأس المال مع تغيير أوضاعها. ولم تكن لهذه المواد الطبيعية قيمة في حالاتها الأصلية بل إنّ تجسد العمل فيها هو وحده الذي منحها القيمة.
وتلعب المواد الخام أيضاً دوراً مهماً في إنتاج السلعة، ولكن دون أن يجري العمل فيها أصلاً أو يجري بمقدار قليل. وفي كل الأحوال لا يمكن إغفال دور عامل الطبيعة في إنتاج السلعة.
ومن خلال هذه الموضوعات، يدرك القارئ أنّ مقدمة "ماركس" الأولى لم تكن صحيحة، بل إنّ القيمة السوقية لسلعة ما تمثل قيمتها الواقعية بالحساب نقداً، ولكن القيمة الواقعية لا تمثل قيمة الكلفة بل هي أكثر من ذلك. وهكذا نصل إلى الرد الأول على نظرية "ماركس".
وإذا أردنا أن ندفع للعامل حقه العادل في وحدة إنتاجية صناعية (سواء أجره أو حصته من الدخل)، ونحسب استهلاك وأجور الآلات وربح رأس المال، فسيبقى مع ذلك مقدار يسمى الربح الخالص. وفي حال توزيع الربح الخالص بين العامل وصاحب رأس المال والآلات، ستبقى فائدة خالصة وعادلة ومشروعة لصاحب رأس المال، ولا تبقى هناك "قيمة فائضة" كمشكلة عصية على الحل. وسوف لا يكون ذلك أساس الرأسمالية المطلقة وغير المشروعة، بل سيكون هناك فائض على قيمة تكاليف السلعة، ويكون من نصيب صاحب رأس المال كربح خالص. وهكذا يتضح أنّ التوزيع الذي اعتقد به "ماركس" في الثروة الناتجة قد أهمل عامل الطبيعة.
وفي الأبحاث القادمة سنتحدث عن عنصر صاحب العمل، وندرس مساهمته في الربح الحاصل من الإنتاج.

الجواب الثاني
في الفصل الأول انتقدنا مقدمة "ماركس" الأولى: "قيمة كل سلعة تساوي العمل المبذول فيها". واتضح أنّ العمل ليس عامل تحديد القيمة، بل إنّ وفرة السلعة، وكذلك مقدار حاجة الناس الاقصادية إليها، هما العاملان اللذان يحددان قيمة السلعة.
مع ملاحظة هذا الأصل، لو فرضنا أننا قبلنا مقدمة "ماركس" الأولى التي تقول: "إنّ قيمة كل سلعة تساوي قيمة تكاليفها" فلن تكون نظريته صحيحة أيضاً، لأنه ما لم تحدد قيمة السلعة إنطلاقاً من مقدار العمل المتجسد فيها فسيكون الربح الخالص مشروعاً، ولا يكون هناك إشكال "القيمة الفائضة".
وكثيراً ما يحدث أن تحدد قيمة لسلعة ما بأكثر من قيمة عوامل إنتاجها، وفي هذه الحالة عندما نستخرج تكلفة الإنتاج من قيمة السلعة يبقى الربح الخالص، وفي حال توزيع هذا الربح على جميع عوامل الإنتاج المختلفة، سينال صاحب رأس المال سهماً من هذا الربح الخالص، ولا يكون دخله الخالص مسروقاً أو مغصوباً. وبهذا النحو يوجه النقد إلى توزيع "ماركس"، وتُحل مشكلة القيمة الإضافية (14) .
وفي كتاب "رأس المال" يحاول "ماركس" أن يبرهن بالأرقام على صحة نظريته حول توزيع الثروة ومسألة القيمة الفائضة، ويتطرق إلى مراحل ظهور القيمة الفائضة في التجارة. وسنتناول هذين الموضوعين ونقدهما في الأبحاث القادمة. 

                                                  * * *
البحث الرابع

القيمة الفائضة 
                                                  * * *

والآن، لنتعرف على معضلة القيمة الفائضة من كتاب "رأس المال":
"نعلم أنّ قيمة كل سلعة تتحدد في ضوء مقدار العمل المبذول في خلقها. لذلك، فإننا نحسب طاقة العمل المبذول في سلعة أنتجت بأمر صاحب رأس المال، خمس كيلو غرامات من الخيط مثلاً".

ويقتضي إنتاج الخيط وجود عوامل متنوعة: كالقطن، وآلات الإنتاج مثل المكائن أو ماكنة الحياكة، وعمل عامل الحياكة. وبما أنه قد مرّ في البحوث السابقة بأنّ قيمة السلعة هي نفس قيمة العمل المبذول في إنتاجها، لذا، يكون حساب قيمة ثلاثة كيلو غرامات من الخيط وفق الترتيب التالي:
"لإنتاج هذه الخيوط، احتاج صاحب رأس المال إلى مادة أولية لنفرض أنها خمسة كيلو غرامات من القطن، وتم شراؤه بقيمته في السوق. ولنفرض أيضاً أنّ استهلاك الأدوات المستخدمة من قبيل الإبرة وغيرها بلغ ثلاثة ريالات".
والآن، ما هو مقدار العمل الذي يتطابق مع ستة عشر ريالاً؟ أي: لو أردنا أن نحسب مجموع قيم عوامل إنتاج خمسة كيلو غرامات من الحرير وفق العمل، كم سيكون مقدار هذا العمل؟
ويوضح "ماركس" هذا الجانب على النحو الآتي:
"لو اعتبرنا المعادل الذهبي لستة عشر ريالاً، الذي هو مجموع العددين، ناتجاً من 24 ساعة من العمل، وإنّ عدد ساعات العمل في اليوم إثنتا عشرة ساعة، نستنتج أنّ هذه الخيوط استهلكت يومين من العمل". وبتعبير آخر: لإنتاج مقدار من الذهب تعادل قيمته في السوق ستة عشر ريالاً، والذي يعتبر معيار جميع القيم، نحتاج الى يومين من العمل بمعدّل اثنتي عشرة ساعة في اليوم. وهكذا يمكن اعتبار كل ستة عشر ريالاً معادلاً ليومين أو 24 ساعة من العمل.
"لقد علمنا أنّ القيمة التي يمنحها القطن، واستهلاك الإبر للخيوط تساوي ستة عشر ريالاً. ولكن يبقى أن نعرف مقدار القيمة التي يضيفها عمل النسّاج إلى المحصول الناتج".
والمقصود هنا حساب العنصر الثالث من عناصر الإنتاج، أي الأيدي العاملة. "فلو أنّ غزل 883 غراماً من القطن يستغرق ساعة واحدة مثلاً، فإنّ خمسة كيلو غرامات منه سوف تستغرق ست ساعات من العمل".

بالإلتفات إلى وسائل عصره تكهّن "ماركس" أنّ إنتاج خمسة كيلو غرامات من الخيط يحتاج إلى ست ساعات من العمل، أي أنّ العامل يحوّل في كل ساعة 833 غراماً من القطن إلى خيط.
ومن خلال الحسابات التي ذُكرت أعلاه والشرح الذي قدّم لتوضيحها، وبدون ذكر المقدمات المعقدة، يمكن القول إنّ ست ساعات من العمل يعني نصف نهار وما يعادل أربعة ريالات من الأجور. أي أنّ الذهب الذي تعادل قيمته أربعة ريالات يمكن إنتاجه في ست ساعات.
وهنا نصل إلى نتيجة الحسابات وجمعها حيث نواجه هذه العبارة:
"والآن نحسب القيمة الكلية للمحصول، خمسة كيلو غرامات من الخيط تمثل يومين ونصف من العمل، القطن والإبرة يمثلان يومين، الغزل يمثل نصف يوم". وإذا أردنا أن نحسب وفق القيمة أي مقدار الذهب المنتج فيجب القول: "أصبح هذا المقدار من العمل موجوداً في مقدار من الذهب يساوي عشرين ريالاً. إذاً، فالعشرون ريالاً تشير إلى قيمة خمسة كيلو غرامات من الخيط. وعليه، تكون قيمة الكيلو غرام الواحد من الخيط أربعة ريالات".

إلى هنا تنتهي مقدمات "ماركس". وبعد اعتذار موجز لعدم الدقة في أرقام مثل هذا الاستنتاج، يطرح مسألة القيمة الفائضة، فيقول: "إذاً، قيمة المحصول هنا تساوي قيمة رأس المال المصروف مسبقاً تحت عنوان "على الحساب"، ولكن هذا المبلغ المصروف لم ينتج ربحاً ولم تنتج منه قيمة فائضة، وبالتالي لم يتحول النقد إلى رأس مال، وإنّ سعر خمسة كيلو غرامات من الخيوط عشرون ريالاً، وما صرف في السوق لشراء العناصر المكونة للمحصول، ثلاثة عشر ريالاً مقابل خمسة كيلو غرامات قطن، ثلاث ريالات لاستهلاك الإبر في ست ساعات، وأربعة ريالات للأيدي العاملة".

ومن أجل إكمال الاستدلال أعلاه، نضيف إليه بعض المقدمات من سائر الأبحاث ونوضح مزاعمه:
1- القيمة المكلفة لخمسة كيلو غرامات من القطن عشرون ريالاً، وهذا هو السعر المتداول في السوق.
2- يتوزع هذا المبلغ – العشرون ريالاً – على ثلاثة عشر ريالاً للقطن، وثلاثة ريالات لاستهلاك الإبر، وأربعة ريالات للعامل. فلا يبقى - إذاً - ربح لصاحب رأس المال.
3- وأخيراً، ثلاثة عشر ريالاً للقطن، وثلاثة ريالات أجور الفلاح والعامل الذي ينتج القطن والإبرة.
وهكذا، يجب دفع مبلغ العشرين ريالاً كله مقابل الأيدي العاملة، فيكون الربح الخالص الذي يجنيه صاحب رأس المال من المنتجات الصناعية هو في الحقيقة سرقة لحق العامل.

نقــد
أ) لإنتاج خمسة كيلو غرامات من القطن استخدمت العناصر التالية، ولا بد من حسابها جميعاً عند التوزيع:
1- خمسة كيلو غرامات قطن.
2- استهلاك الإبر.
3- العمـل.

وعند التأمل، نرى أنّ هذه العناصر الثلاثة تنقسم إلى خمسة، ذلك أنّ القطن يتكون من عنصرين هما: الفلاح والطبيعة. وهكذا، الإبر حيث تكونت من عنصرين: المادة الخام والعمل. إذاً، ينبغي حساب العناصر على النحو الآتي:
1- المادة الخام – القطن.
2- عمل الفلاح.
3- المادة الخام في الإبر.
4- عمل عامل الإبر.
5- عمل عامل الغزل.

والآن، نتساءل: هل ينبغي دفع المبلغ ثلاثة عشر ريالاً، الذي تم تخصيصه لخمسة كيلو غرامات قطن، إلى الفلاح وحسب؟ أم يجب إعطاء حصة مقابل المواد الخام؟
وكذلك، الثلاثة ريالات المخصصة لاستهلاك الإبر تقسم أيضاً على العنصرين المذكورين. وإذا خصص "ماركس" هذين المبلغين (ثلاثة عشر ريالاً وثلاثة ريالات) للعامل فقط، فلا بد من القول: إنّ قيمة خمسة كيلو غرامات قطن زادت على العشرين ريالاً، ويجب تخصيص مقدار للطبيعة الكامنة في القطن وفي الإبر.
وفي المحصّلة تكون قيمة كلفة خمسة كيلو غرامات قطن أكثر من عشرين ريالاً، وثمة حصة لصاحب رأس المال الذي يوفّر ويقدم الطبيعة على شكل قطن وإبرة.

ب) في هذه الحسابات، عُدّت قيمة خمسة كيلو غرامات خيط في السوق مساوية لقيمة تكاليفها، في حين أننا أثبتنا أنّ الذي يحدّد القيمة في السوق هما عاملا الوفرة والحاجة أو العرض والطلب بالمفهوم العام لهما (15).
وبناء على هذا، فلو أدى العرض والطلب إلى أن تكون قيمة خمسة كيلو غرامات من الخيط أكثر من عشرين ريالاً، مثلاً خمسة وعشرين ريالاً، فكيف يتم توزيع الخمس ريالات الفائضة؟ وإذا قسّمناها على العناصر الخمسة المذكورة، فستبقى حصة لصاحب رأس المال أيضاً.
إنّ زيادة قيمة السوق على قيمة التكاليف مسألة بديهية وموجودة في جميع المنتجات الصناعية، وهي التي تحفز أصحاب رؤوس الأموال على الإنتاج.
وسنتطرق في الأبحاث القادمة إلى دور رب العمل وحصته في الإنتاج.

                                                  * * *
البحث الخامس

التجارة والقيمة الفائضة 
                                                  * * *

لكي يعتبر التجارة عملاً غير مشروع، يقدّم "ماركس" توضيحاً خاصاً يثبت فيه ظهور القيمة الفائضة في التجارة. ولتوضيح هذا البحث ننقل مقدمة من كتاب "رأس المال":
"يمكن ملاحظة أنّ المعاملات الجارية في السوق على شكلين:
- الشكل الأول: شخص يملك سلعة وليس بحاجة إليها، فيبيعها ويوفر لنفسه السلعة التي يحتاج إليها. مثلاً: عشرون متراً من القماش يبيعه مالكه الأصلي في السوق ويشتري لنفسه بدلة. إذاً، المعاملة تمت بهذا الشكل: سلعة - نقد - سلعة.
- الشكل الثاني: وهو يختلف تماماً عن الأول، ويعبّر عنه بـ: نقد – سلعة – نقد. أي تحويل النقد إلى سلعة، ثم تحويلها من جديد إلى نقد، أي الشراء من أجل البيع.
ويلاحظ أنّ الهدف في الحالة الأولى - وهو توفير السلعة التي هناك حاجة إليها (بدلة) - تم بيع سلعة لا يحتاج إليها (عشرون متراً من القماش)، وقد لعب النقد دور الواسطة والوسيلة وحسب.
أما في الحالة الثانية، فكان الهدف توفير النقد، ولهذا الغرض وظفت كمية أقل من النقد كرأسمال، وتم شراء السلعة التي أصبحت وسيلة لنمو رأس المال فحسب، وذلك من خلال بيعها والحصول على نقد أكثر.

في الحالة الأولى، يتحول النقد أخيراً إلى سلعة تُستخدم بعنوان قيمة الصرف أو شيء مفيد. وبسبب الشراء ابتعد هذا النقد عن مصدره، وتم صرفه دفعة واحدة.
وفي الحالة الثانية، يضع المشتري نقده في إطار المعاملة ليسترجعه في الختام بصفة البائع. فعاد هذا النقد أخيراً إلى مصدره الأصلي، ويبقى هكذا حيث استخدم في بداية الأمر في المعاملة بصورة عربون وعلى الحساب".
ويستنتج "ماركس" من هذه المقدمة أنّ "الحركة في الشكل الثاني من المعاملات، أي: نقد - سلعة - نقد، بدأت بالنقد وانتهت إلى النقد. فالمقصود منها قيمة التبادل، وإنّ نهاية المعاملة تعني أنّ مبلغين من النقد، المتساويين، من حيث الكيفية والفائدة، يختلفان عن بعضهما في الكمية فحسب.

مثلاً، لو أنّ أحداً استبدل مئة ريال مع مئة ريال فإنه قام بعمل غير نافع، ولا يمكن أن يكون هناك سبب وباعث لحركة (النقد - السلعة - النقد) غير الاختلاف الكمي بين مبلغين من النقد، وفي نهاية الأمر يكون مقدار النقد الناتج من المعاملة أكثر من المقدار الذي وُظف في بداية المعاملة. والشكل الكامل لهذه الحركة عبارة عن: 100 ريال – 1000 كيلو غرام قطن 110 ريال. حيث تنتهي المعاملة بتحويل مبلغ مقداره 100 ريال إلى مبلغ أكثر مقداره 110 ريال. ونسمي هذا المقدار الإضافي البالغ عشرة ريالات قيمة فائضة.

إذاً، لم يحافظ على النقد الذي دخل المعاملة – على الحساب – فحسب، بل أصبحت القيمة الفائضة التي حصلت عن طريق القيمة، عاملاً حوّل ذلك النقد إلى رأسمال.

ويمكن شرح الاستدلال أعلاه من خلال المقدمات الآتية والبرهنة على القيمة الفائضة:
1- يوجد ألف كيلو غرام قطن في المعاملتين الجاريتين، وقد تم شراؤه أو بيعه وفق قيمته الواقعية.
2- لم تتغير القيمة الواقعية لألف كيلو غرام قطن (أي درجة فائدته الاستهلاكية). فلماذا إذاً تساوى مع مئة ريال في المعاملة الأولى، ومع مئة وعشرة ريالات في المعاملة الثانية؟
3- لا يوجد فرق بين المعاملتين من حيث درجة فائدة النقد. إذاً، فالفرق بين النقدين هو في الكمية فقط، يعني أنه أصبح هناك فائض بمقدار عشرة ريالات في المعاملة الثانية.
وبناء على ما تقدّم، هناك إضافة عشرة ريالات من دون سبب، وسرقة من أموال مَن اشترى ألف كيلو غرام قطن، أخذها صاحب رأس المال (البائع) وقد أطلق عليها اسم القيمة الفائضة".
ويضيف "ماركس" في الختام: "تعتبر المرحلة الأخيرة من حركة النقد - السلعة - النقد [التي عبّرنا عنها بمثال 110 ريال] المرحلة الأولى لحركة جديدة حدّها النهائي أكبر من هذا المبلغ، ويكون صاحب النقد – الذي يعتبر ممثل هذه الحركة – صاحب رأسمال. وتتجدد حركة تحصيل الربح بشكل دائم عن طريق دوران النقد، ويتم الشراء من أجل البيع بقيمة أكثر. وتكون معادلة رأس المال العامة بالشكل المهيمن على المعاملة".

نقـــد
تقتصر مسؤوليتنا في بحث ودراسة هذه النظرية على توضيح الأصل التالي: "هل فائدة السلعة وقيمتها الاستهلاكية في المعاملتين، المعاملة: النقد – السلعة (100 ريال – 1000 كيلو غرام قطن) ومعاملة: السلعة – النقد (1000 كيلو غرام قطن – 110 ريال)، واحدة أم لا؟ وهل فائدة النقد في المعاملتين واحدة أم متفاوتة؟

مع توضيح هذا الأصل، يتضح دور التاجر في الإنتاج، وتتحقق مشروعية التجارة التي كانت وما زالت أكبر أساسٍ للرأسمالية.

وتطرح في البداية عدة أمثلة:
المثال الأول: يشتري التاجر القطن من الفلاح المصري ويبيعه إلى مصانع مانشستر لإنتاج الأقمشة في بريطانيا. هل يتساوى حال ألف كيلو غرام قطن عند شرائه من الفلاح المصري - من حيث الفائدة والقيمة الاستهلاكية - مع حال وصوله إلى صاحب المصنع البريطاني.
إنّ هذا يشبه تماماً توافر الماء إلى جوار نبع، أو في صحراء قاحلة، بالنسبة لشخص ظامئ.

المثال الثاني: ما هو الفرق من حيث الفائدة بين ألف كيلو غرام ثلج في الشتاء وألف كيلو غرام ثلج في الصيف، لدى سكان المدن التي ما زالت تدّخر الثلوج في الشتاء في مخازن خاصة لاستهلاكها في الصيف؟!

المثال الثالث: فلاح لم يجنِ محصوله بعد، فباعه سلفاً لحاجته الماسة إلى النقد من أجل معالجة ابنه المريض مثلاً. وفضلاً عن توفير احتياجاته، قام أيضاً ببعض الإجراءات من أجل تحسين مستوى محصوله، فالتاجر هنا يشتري المحصول رخيصاً ويبيعه غالياً.

المثال الرابع: من الطبيعي في التعامل بالديْن أن تستلم السلعة في وقت ويؤجل دفع النقد إلى وقت آخر، وبذلك يشتري البائع السلعة نقداً بقيمة أرخص.
إنّ التأمل في دراسة هذه الأمثلة يساعدنا في الاقتراب من موضوع البحث، لأنّ الفرق واضح تماماً بين فائدة القطن في سوق مصر والثلج في الشتاء، وبين القطن في سوق مانشستر والثلج في الصيف. وإنّ هذه الفائدة تحققت في الغالب بفعل النشاط الفكري والعملي للتاجر. وفي المثالين الثالث والرابع لم تختلف فائدة السلعة، ولكن فائدة النقد اختلفت كثيراً، أي أنّ النقد في المثال الثالث يفيد الفلاح أكثر ويفضّل أن يحصل على نفس النقد قبل جني المحصول، نظراً لظروفه الصعبة.

والآن، نستطيع أن نستنتج من هذا البحث ما يلي:
في المعاملتين المفروضتين "النقد - السلعة" و"السلعة - النقد" اختلفت فائدة السلعة كثيراً نتيجة نشاط التاجر. فقد أصبح النقد الذي بُودل بالسلعة في المعاملة الثانية أكثر من نقد المعاملة الأولى. وهكذا، في قسم من المعاملات، إزدادت فائدة النقد في المعاملة الأولى. وبناء على هذا، أصبح هناك نقد أكثر في المعاملة الثانية ليتم التعويض عن انخفاض الفائدة.
وبهذا التوضيح يتم إثبات الانتقاد الأول. والآن لنلاحظ جملة أخرى من الكتاب: "لا يمكن أن يكون هناك سبب لحركة النقد - السلعة - النقد، غير الاختلاف الكمي بين مبلغَي النقد.
تبيّن من التوضيحات التي مرت أعلاه أنّ التاجر رغم كونه عامل هذه الحركة من أجل الاختلاف الكمي بين المبلغَين، إلاّ أنّ الطرف الآخر للمعاملة قام بهذه المعاملة بسبب ازدياد فائدة السلعة أو انخفاض فائدة النقد.

عدة إنتقادات أخرى
أولاً: لا تقتصر التجارة اليوم على شراء سلعة لبيعها، بل توجد في الأسواق العالمية آلاف الأنواع من المعاملات التجارية التي ليست لتوضيحات "ماركس" في موضوع "القيمة الفائضة" أية علاقة بها. نكتفي هنا بذكر عدة أنواع منها:
أ) جميع الأعمال التي تشمل حق العمل وحق العمولة والسمسرة، التي تعتبر اليوم فصلاً مهماً من التجارة، وأقرّت قوانين التجارة في العالم بشكل عام ضوابط خاصة بشأنها.
ب) نشاطات مؤسسات نقل المسافرين ونشاطات حمل البضائع، الجوية والبحرية.
ج) الضمان وأنواعه، الذي يعدّ اليوم من أهم الأنشطة التجارية في العالم وأكثرها شيوعاً.
د) تبادل الوثائق التجارية مثل الحوالة والكمبيالة وغيرهما.
هـ) النشاطات المصرفية التي تشمل آلاف الأنواع، مع أنّ قسماً كبيراً منها غير مشروع، لبعض الأسباب.
و) المعارض العامة.
ز) معاملات المزايدة.
ح) المعامل اليدوية التي تعتبر من الوحدات الإنتاجية الصناعية.
ويلاحظ القارئ العزيز أنه لا يمكن القبول بأشكال القيمة الإضافية في مثل هذه المعاملات التجارية بالشكل الذي نقلناه في كتاب "رأس المال".

ثانياً: على خلاف قاعدة "ماركس" (القيمة = العمل) يمكن التطرق في هذا البحث إلى موضوع الفائدة والقيمة الاستهلاكية والقبول بأشكال القيمة الفائضة على أساس ذلك. ومن البديهي عندما ندرس نظريته في القيمة، يكون الجواب أوضح من الإشكال، لأنّ علماء الاقتصاد يبحثون منذ سنوات دور التاجر في الإنتاج، وفي النهاية يعترف الجميع - رغم اختلافهم - بحقيقة واحدة هي نشاط التاجر في مجال استهلاك السلعة، فتكون بذلك السلعة المستهلكة تجسيداً لأعمال المنتجين مع إضافة عمل التاجر. وإنّ وضع السلعة في الحالة الثانية (السلعة - النقد) يختلف عن الحالة الأولى (النقد - السلعة).

جدير بالذكر أننا لم نهدف من وراء أبحاثنا، آنفة الذكر، الدفاع عن المنتجين ونشاطاتهم المختلفة أو عن التجار ومعاملاتهم، بل الحديث عن حقيقة علمية لا يمكن إنكارها، وهي: "إمكانية وجود رأس المال عن طريق مشروع" والتي ستكون أساس أبحاثنا المقبلة. والآن ندعو القارئ الكريم إلى البحث التالي الذي يتمحور حول دراسة أسلوب المدرسة الاقتصادية الإسلامية في توزيع السلعة المنتجة. 

                                                  * * *
البحث السادس

أسس منهج الإسلام في توزيع الثروة

• الأصل الأول – تحريم الربا
• الأصل الثاني – صحة المضاربة والمزارعة والمساقاة
• الأصل الثالث – صحة الإجارة والعمالة
• الأصل الرابع – أصل سيادة الإرادة أو أصالة الصحة
• الأصل الخامس – الإقتصاد على أساس العقيدة والأخلاق
 
 

                                                  * * *
أسس منهج الإسلام في توزيع الثروة
ذكرنا في القسم الأول من هذه الأبحاث، أنّ علم الاقتصاد علم حديث بمعنى الكلمة، وقد دُوّنت أصوله حديثاً وأصبحت على شكل أبحاث علمية. ومن هنا، فإننا عندما نتحدث عن منهج الإسلام في توزيع الثروة أو عن أي مبدأ اقتصادي إسلامي آخر، فإنما نقصد تلك النظرية المستنبطة من دراسة قوانين الإسلام الإلهية والأحكام الفقهية في أبواب المعاملات.

وبناء على هذا، فإننا في هذا البحث "توزيع الثروة المنتجة بين عناصر الإنتاج" سندرس أولاً القوانين والأحكام التي تمثل أصول هذه النظرية، ثم نتطرق إلى بيان وتوضيح منهج الإسلام (16).

الأصل الأول: تحريم الربا

أ‌) ما هو الربا؟
هناك معنيان للربا في الفقه الإسلامي: الربا في البيع، والربا في القرض. فعندما يكون التعامل بمادتين التبادل بهما عادة بالكيل والوزن، ويكون أحدهما حين التبادل أكثر من الآخر، تكون هذه المعاملة ربوية وباطلة، مثلاً: فلاح يرى ما عنده من الحنطة غير مناسبة للبذر فيبدلها بحنطة أخرى، فيبيع طناً ومئة كيلو مما لديه مقابل طن واحد من الأخرى. غير أننا هنا لا نريد أن نبحث هذا النوع من الربا (17) .

بل إنّ موضوع بحثنا الربا في القرض: وهو الفائدة الحاصلة بموجب اتفاق الإقراض، حيث يتعهد المقترض بأن يدفع بعد وقت محدد مبلغاً من المال أو شيئاً معيّناً، أو يقوم بعمل لصالح المقرض، فضلاً عن أداء أصل مبلغ القرض.

ب‌) لماذا حُرِّم الربا؟
تعتبر حرمة الربا الشديدة، وبطلان المعاملات الربوية، بأي شكل وبأي مقدار ولأي هـدف – إنتاجياً كان أم غير إنتاجي – من أكثر الأحكام وضوحاً في الفقه الإسلام. وفضلاً عن اتفاق فقهاء الإسلام، تصرّح بذلك الآيتان التاليتان، إضافة إلى عشرات الآيات والروايات الدالة على الحرمة:

1-﴿"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تُبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون﴾ [البقرة/ 278-279].
2- ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمَن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومَن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة/ 275].
(18)
3- وردت روايات معتبرة لا حصر لها في حرمة الربا مذكورة في أبواب عديدة من كتب الحديث والفقه.

ولا بد أن نعلم أنّ القرآن الكريم كافح قليلاً من الذنوب بهذه الشدة، حيث شاهدنا أنه اعتبر الربا بمنزلة حرب معلنة ضد الله والرسول، فيما اعتبرت الأحاديث الشريفة الربا سبباً للفساد والظلم وضياع الأموال وهلاك الأمم ومنع أعمال الخير والإحسان ودأب الناس على الذنب وردعهم عن الفعاليات التجارية والإنتاجية، حتى أنّ بعض الروايات عدّت أكل درهم واحد من الربا أعظم عشرات المرات من الزنا، وقد هدد حديث معتبر صراحة بأنّ ظهور الربا في أمة ما سيكون سبباً لهلاكها.
(19)

الأصل الثاني: صحة المضاربة والمزارعة والمساقاة

أ‌) التعريـف
المضاربة في الفقه عبارة عن اتحاد عاملَي العمل ورأس المال إتحاداً مباشراً، فصاحب رأس المال يضع ماله تحت تصرف العامل الخبير (العنصر المضارب) ليتاجر به طبق اتفاق خاص، ويكون شريكاً في الأرباح بنسبة معيّنة حسب الاتفاق.
أما المزارعة والمساقاة فتعتبران صوراً خاصة من هذه المعاملة، فالمزارع يعمل برأسمال وأرض غيره فيكون شريكاً في المحصول، أو يسقي أرض غيره أو يعمل في بستانه، فيكون شريكاً في الثمار (20).

ب) دليل الصحة
1- تصح المعاملات التي كانت شائعة وجارية منذ القدم، ثم استمرت في زمن الرسول الأكرم والأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) بعلمهم وإشرافهم ولم يمنع الإسلام المسلمين عنها، وتكون نافذة، حيث يعتبر سكوتهم عنها بمنزلة الإقرار والرضى.

وكانت المضاربة والمزارعة والمساقاة ضمن هذا النوع من المعاملات، لذلك فهي صحيحة ومعتبرة.
2- تعتبر الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب المضاربة والمزارعة والمساقاة في كتب الفقه والحديث، والتي تبيّن أصول وأحكام هذه الإتفاقيات، أفضل دليل على صحة هذه المعاملات الثلاث.

ج) الأحكام الخاصة بالمضاربة والمزارعة والمساقاة
1- يجب تقسيم الربح الحاصل من هذه المعاملات بين صاحب رأس المال والعامل حسب الاتفاق (21).
2- في حال الخسارة لا يتحمل العامل شيئاً، بل يتحملها صاحب رأس المال وحده (22).
3- لو انتهك العامل الشروط الواردة في الإتفاق فإنه يتحمل الخسارة الناجمة (23).
4- إذا جعل صاحب رأس المال، العامل مسؤولاً عن الخسارة طبقاً للاتفاق، فليس لصاحب رأس المال نصيب في الربح، حسب رواية محمد بن قيس (24).
5- في اتفاق المزارعة لا يمكن مطلقاً تخصيص حصة للبقر والبذر أو سائر أدوات الإنتاج، بل يجب توزيع الربح بين العامل وصاحب رأس المال فقط (25).
6- لا يستطيع المضارب (العامل) أن يمنح اتفاقه لعامل آخر بمبلغ أقل ويحصل هو على ربح من دون عمل
(26).

الأصل الثالث: الإجارة والعمالة صحيحة
(27)

أ‌) التعريـف
إجارة البيت والدكان والسيارة وأمثالها هي من المعاملات الشائعة المعروفة (28). فقد يضع إنسان نشاطه البدني أو الفكري في تصرف شخص آخر لمدة معيّنة بموجب اتفاق، وتعتبر هذه المعاملة، التي تسمى "الإيجار" أو "العمالة"، صحيحة ونافذة.

ب) دليل صحة الإجارة
1- الأصل العام لصحة هذه المعاملات الشائعة هو الأصل نفسه الذي قيل بخصوص المضاربة.
2- الآيات التي أشارت إلى الإجارة، والروايات المعتبرة الكثيرة التي وردت في بيان أحكام إجارة البيت والدكان والأرض والدواب، جعلت صحة هذه المعاملة من بديهيات الفقه الإسلامي.

ج) أحكام الإجارة والعمالة وما ينتج عنها
1- العمالة بشكل عام أمر مكروه، ولا تحبّذها شريعة الإسلام  (29).
2- يجب دفع أجرة العامل بأسرع ما يمكن، ويعتبر غصب حق العامل من أكبر الذنوب وسبباً لغضب الله (30).
3- وردت تعاليم كثيرة بشأن الرفق والمحبة مع العمال (31).
4- لا يكون المستأجر ضامناً لأي شيء من مادة الإجارة إلاّ أن يقصّر في المحافظة عليها، أو أن يستفيد منها أكثر من الحد المعمول المتعارف (التعدي والتفريط) (32).

الأصل الرابع: أصل سيادة الإرادة أو أصالة الصحة

أ) ما هو أصل سيادة الإرادة
يعبّر الفقه الإسلامي عن هذا الأصل، الذي اعتبروه من مفاخر القوانين المعاصرة بـ"أصالة الصحة"، وهو ذو سابقة تاريخية طويلة (33).
ومن معاني أصل سيادة الإرادة التي نبحثها هنا هو : يحق للإنسان أن يعقد حسب إرادته ورغبته اتفاقية مع الآخرين، سواء كانت هذه الإتفاقية متداولة وشائعة أو كانت من ابتكاره، وسواء كانت متعارفة إبان التشريع الإسلامي أو لم تكن. وهكذا، تكون المعاملة التي يبتكرها طرفان، صحيحة وإن لم تكن من المعاملات المتداولة والشائعة، علماً أنّ الشرط الأساس لهذه الصلاحيات هو ألاّ تكون هذه المعاملة مشمولة بأحد عناوين البطلان والحرمة كالربا والمجهولية والبيع والشراء من دون عدّ أو كيل أو وزن.

ب) دليل أصل سيادة الإرادة
لقد طرح هذا الموضوع في كتب الفقه منذ زمن طويل، وجرى التحقيق بشأنه ودراسته بشكل تفصيلي. وما نطرحه هنا يمثل آراء عدد من كبار الفقهاء المتأخرين التي يرجحها المؤلف على غيرها من الآراء:
1-﴿"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾" [النساء/ 29].
ومن الواضح أنّ الإتفاقية ذات الصيغة التجارية أو التي تمت برضى الطرفين تكون مشمولة بالآية الشريفة وصحيحة، سواء كانت متداولة أو مبتدعة.
2- ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾" [المائدة/ 1]، سواء كانت هذه العقود جديدة أو غير جديدة. وبديهي أنّ العقود الباطلة مستثناة من هذه الآية.

الأصل الخامس: الاقتصاد على أساس العقيدة والأخلاق

أ‌) التعريـف
إنّ الدراسة والتأمل في القوانين الإسلامية المالية والتجارية والاقتصادية، يوضح جيداً أنّ الإسلام لم يحصر هدفه في رفع مستوى الحياة المادية للإنسان، وتحسين وضعه من حيث المأكل والملبس والمسكن وسائر أبعاد الراحة، بل اهتم أيضاً – بموازاة ذلك وأكثر منه – بالتكامل الروحي والفضائل الأخلاقية للإنسان.
ومن هنا، أخذت الأحكام الفقهية والمعاملات وكل القوانين الإسلامية هذا الأساس بنظر الاعتبار (34) . فلا بد أن نأخذ نحن أيضاً هذا الأمر بنظر الاعتبار بشكل كامل.

ب) دليل هذا الأصل
1- ثمة آيات كثيرة عدّت الحياة الدنيا والمال زينة وجمالاً، وكان هدفها التربية والامتحان، أو بالأحرى كسب الأعمال الصالحة، وهي خير دليل على هذا الإدعاء .
2- الروايات التي لا حصر لها التي وردت في كتب الحديث والفقه، نكتفي بذكر عدة أنواع منها:
عن رسول الله (ص) أنه قال: "نعم الغنى ما أعان على التقوى". (لعل سماحة المؤلف يقصد الحديث المروي عن الرسول الأعظم (ص): "نعم المال الصالح للرجل الصالح")

قال رسول الله (ص): "لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال، يكفّ به وجهه، ويقي به دينه، ويصل به رحمه". ("وسائل الشيعة"، ج: 12، ص: 19)
كما وردت تأكيدات شديدة على تعلّم المسائل الشرعية للتجارة قبل الاشتغال بها. وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: "كان أمير المؤمنين (ع) عندكم بالكوفة يغتدي كل يوم بكرة من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً، ومعه الدرة على عاتقه، وكان لها طرفان وكانت تسمى السبتية، فيقف على أهل كل سوق فينادي: يا معشر التجار اتقوا الله. فإذا سمعوا صوته ألقَوا ما بأيديهم وارعوا إليه بقلوبهم، وسمعوا بآذانهم، فيقول: قدّموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وتناهَوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثَوا في الأرض مفسدين، فيطوف في جميع أسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس. ("وسائل الشيعة"، ج: 12، كتاب التجارة، باب جملة ما يستحب للتاجر من الآداب، ص: 183، الحديث: 1)

                                                  * * *
البحث السابع

حصة العمل – رأس المال - الآلة في الإسلام

• حصة عناصر الإنتاج (العمل، رأس المال، الآلة)
• الماركسية وعناصر الإنتاج
• الرأسمالية وعناصر الإنتاج
• أسباب هذه الحقوق والتقسيمات
• أصل مهم جداً
 
                                                  * * *
حصة العمل – رأس المال – الآلة في الإسلام
نقرأ في هذا الفصل منهج الإسلام في توزيع الثروة، فنلاحظ أهمية عناصر الإنتاج من وجهة نظر قانون هذا الدين المقدس، ونقارن بين هذا المنهج وبين نظريات أرقى المذاهب الاقتصادية العالمية، فندرك في نهاية المطاف كيف شرّع هذا التوزيع العادل والرصين على أساس الحقائق العينية والحقوق الثابتة لعناصر الإنتاج، الأمر الذي لا يمكن أن يصدر إلاّ عن القانون الإلهي المقدس.

حصة عناصر الإنتاج (العمل، رأس المال، الآلة)

العمـل (35): وقد جعل المذهب الاقتصادي الإسلامي له أكبر حصة وأسمى درجة، أولاً بموجب الأصل الثاني من الأصول على النحو الآتي:
1- للعمل ثلاث ميزات: الأجرة والربح وعدم المشاركة في الخسارة.
2- لرأس المال ميزة واحدة هي: الربح مع المشاركة في الخسارة.
3- للآلة ميزة واحدة هي: الأجرة (بدل الإيجار).

الماركسية وعناصر الإنتاج

أوضحنا بشكل كافٍ في الأبحاث السابقة أنّ المذهب الاقتصادي الماركسي يحصر رأس المال ووسائل الإنتاج في العمل المتجسد، ويرى أنّ قيمتهما تساوي العمل المتراكم فيهما، ثم يستنتج أنّ حصتهما في الثروة الناتجة تكون حسب العمل ومقداره (مع ملاحظة ما يُستهلك من رأس المال ووسائل الإنتاج في عملية الإنتاج كما مرّ في مثال القطن). وهكذا، يجب أن تكون أهمية عناصر الإنتاج الثلاثة عند هذا المذهب مساوية للعمل، سواء صدر من العامل أو تم القيام به مسبّقاً، وتبلور في وسائل الإنتاج أو رأس المال، وبالنتيجة تتحول روح هذه العناصر الثلاثة إلى عنصر واحد هو "العمل"، وتكون أهمية هذه العناصر على النحو الآتي:

العمل = الآلة = رأس المال: ولهذه المعادلة ميزتان هما الخمسة التي سبق الحديث عنها (صحة المضاربة)، حيث يمكن للعمل أن يأخذ حصة من الربح في وحدة إنتاجية تجارية أو صناعية أو زراعية من دون أن يتحمل شيئاً من الخسارة المحتملة. وثانياً يستطيع العمل أن يأخذ الربح الثابت (الأجرة)، وهذا ما جرى استنتاجه من الأصل الثالث (الإجارة صحيحة).

رأس المال: وله إحدى ميزتي العنصر السابق، أي ليس لهذا العنصر، وتحت أي عنوان، حصة في الربح الثابت من دون الخسارة، وهو ما يُصطلح عليه (الأجرة)، لأنّ الربح الثابت لرأس المال يعتبر رباً، وقد علمنا في الأصل الأول من الأصول السابقة أنّ الربا باطل وحرام.
ولكن يمكن أن تكون لرأس المال حصة في ربح إنتاج ما شريطة أن يكون شريكاً في الربح والخسارة. وقد استنتج هذا الحكم من المادتين (1 و 2) من أحكام المضاربة (الأصل الثاني).

الآلة: للآلة أيضاً حصة واحدة فقط من حصص العمل، أي أنها تحصل فقط على الربح الثابت (بدل الإيجار)، استناداً إلى (الأصل الثالث – الإجارة صحيحة)، ولا يمكن – مطلقاً – أن تشارك الآلة في الربح الناتج، سواء شاركت في الخسائر أو لم تشارك. وتدل على ذلك المادة الخامسة من الأحكام الخاصة بالمضاربة.
وبملاحظة ما ذكر أعلاه، يمكن معرفة أهمية عناصر الإنتاج، الأجرة والفائدة، مع افتراض المشاركة في الخسارة. ولكن ولأسباب سياسية (وليس بدافع معايير العدالة) احتُسبت "الأجرة" لرأس المال والآلة دون "الفائدة"، فيما خصص للعمل "الأجرة والفائدة" معاً.

الرأسمالية وعناصر الإنتاج

ترى المناهج الرأسمالية المعروفة والمتداولة، أنّ رأس المال أهم وأكبر عناصر الإنتاج، وتحتسب له أجرين، فيما تعتبر العمل واحداً من وسائل الإنتاج. وبناءً على هذا، تصبح عناصر الإنتاج وفق الترتيب التالي حسب أهميتها:
1- لرأس المال ميزتان: الأجرة والفائدة.
2 و3- العمل ووسائل الإنتاج لكل واحد منهما ميزة واحدة: الفائدة الثابتة "الأجرة أو بدل الإيجار".

الرأسمالية الجديدة
كما أشرنا في القسم الأول من هذا البحث، إنّ بعض المذاهب الرأسمالية الراقية أعاد النظر في حصة العامل، وجعل له حصة في الربح الخالص بنسبة مئوية معيّنة.
وفيما يلي جدول بحصص عناصر الإنتاج في المذاهب الاقتصادية المختلفة:

عناصر الإنتاج

الإسـلام

الماركسيـة

الرأسماليـة

العمـل

الأجرة + الفائدة بدون خسارة

الأجرة + الفائدة بدون خسارة

الربح الثابت (الأجرة)

رأس المال

الفائدة مع الخسارة

الأجـرة

الربح الثابت (الربا)
الفائدة مع الخسارة

الآلـة

الأجـرة (بدل الإيجار)

الأجـرة

الأجـرة (بدل الإيجار)


يوضح الجدول أهم جانب في هذا البحث، ويشير إلى أنّ أياً من المذاهب الاقتصادية لم يعطِ العمل الأهمية التي أولاها له الإسلام.

ولمزيد من التوضيح يرجى ملاحظة الجدول الآتي:

الحصانة من الخسارة

الفائـدة

الربح الثابت
(الأجرة – الربا – قيمة الإيجار) 

عنصر الإنتاج

المذهـب

+

+

+

العمـل  

الإسـلام

-

+

-

رأس المال

 

-

-

+

الآلـة

 

-

+

+

 العمـل

الماركسية

-

-

+

رأس المال

 

-

-

+

الآلـة

 

-

-

+

 العمـل

الرأسمالية

-

+

+

رأس المال

 

-

-

+

الآلـة

 



وبالتالي، أقرّت المذاهب الاقتصادية حقوق عناصر الإنتاج على النحو الآتي:
- الإسـلام: للعمل ثلاث ميزات، لرأس المال ميزة واحدة، للآلة ميزة واحدة.
- الماركسية: للعمل ميزتان، لرأس المال ميزة واحدة، للآلة ميزة واحدة.
- الرأسمالية: للعمل ميزة واحدة، لرأس المال ميزتان. للآلة ميزة واحدة.
عدة نتائج مهمة ومفيدة
1- المذهب الإقتصادي الإسلامي هو المدافع الأكبر عن حقوق العامل.
2- الحقوق التي تمنحها الماركسية للعامل أقل من الحقوق التي يمنحها الإسلام.
3- يعدّ العامل في المذهب الرأسمالي، من وسائل الإنتاج!

أسباب هذه الحقوق والتقسيمات

ذكرنا في الأبحاث السابقة أنّ عملية الإنتاج لا تعني خلق شيء وإيجاده، بل هي عبارة عن التعامل مع المواد الخام الموجودة في الطبيعة، وتحويلها إلى ثروة إقتصادية من خلال العمل والحالة الجديدة التي تصبح فيها. وهكذا، فالإنتاج عبارة عن كل شيء ذي قيمة وقابل للإستفادة يتم إيجاده من اتحاد الطبيعة والعمل سواء كان يجري استهلاكه بنفسه أو يُستخدم في إنتاج ثروة أخرى على شكل رأسمال أو وسائل الإنتاج.
وبهذه الطريقة يتضح أنّ كلاً من رأس المال ووسائل الإنتاج عبارة عن: "العمل بإضافة الطبيعة".
وتشير النتيجة التي تحصل من هذه المعادلة إلى أهمية العمل وعلّة تفوّقه على رأس المال والآلة في عملية الإنتاج، لأنّ الطبيعة وإن أصبحت في ملكية الذي يخلق العمل، وأصبح رأس المال كله أو وسائل الإنتاج ملكاً لمن ينتجهما، ولكن المواد الطبيعية وضعت تحت تصرّف الجميع مجاناً ولم يتحمل الإنسان تعباً ولم يبذل جهداً في سبيل إيجادها.
إذاً، فإنّ عنصر "العمل" بكامله وبجميع حقائقه وليد جهد الإنسان ونتيجة نشاطه، فيما يعمل عنصرا "رأس المال" و"الآلة" على تغيير شكل وحالة المحصول الذي يعكس سعي الإنسان.
لقد تم تجاهل هذه الملاحظة تماماً في الدراسات الإيديولوجية الماركسية، وكذلك غابت عن أذهان العلماء الرأسماليين، ومن هنا اعتبرت الماركسية قيمة الأشياء تساوي العمل، فيما جعلت الرأسمالية رأس المال أهم من العمل.
ولا يخفى، ما دامت هناك فوائد عينية لوسائل الإنتاج، فقد خصصت لها الأجرة (بدل الإيجار). غير أنّ رأس المال لما كان يستخدم بنحو المقامرة (فوائد محتملة مع احتمال الخسارة)، لذا يجب أن يكون حقه مشابهاً لخصوصيته ومنسجماً معها، حيث وضعت هذه الحقوق على أساس الحقائق العينية والقانون الثابت لعناصر الإنتاج.

أصل مهم جداً

نستنتج مما ذُكر أنّ الإسلام أقرّ نوعين من التوزيع للثروة المنتجة هما:
1- أن يأخذ العامل الأجرة، وتأخذ وسائل الإنتاج مبلغاً معيّناً بدل الإيجار، ويبقى الربح الخالص مع الخسارة لصاحب رأس المال.
2- تكون للعامل حصة في الربح (دون الخسارة)، ويدفع بدل الإيجار لوسائل الإنتاج، ويأخذ صاحب رأس المال حصة من الربح الخالص ومتحملاً الخسارة وحده.
ولكن تحديد وتنظيم هذين النوعين من التوزيع، اللذين يطرح كل واحد منهما في إطار عام وفي أشكال وصور مختلفة، وكذلك تحديد مقدار الأجرة وبدل الإيجار ووسائل الإنتاج، وشروط المعاملة، إلى غير ذلك، يجري طبقاً للإتفاقيات التي يتم عقدها بين أطراف المعاملة بموجب الأصل الرابع (أصل سيادة الإرادة) من الأصول الخمسة، مع مراعاة الظروف الاقتصادية الدولية المختلفة، ورغبات وطلبات العامل وصاحب رأس المال، وكذلك تقلبات "العرض والطلب" والمتغيرات المهمة التي تشهدها المراحل الحياتية من حياة الإنسان. كما أنّ هذا المنهج الأصولي جعل من تشريعات الإسلام قوانين دائمية لسعادة الإنسان.
وإنّ الذي يعيّن إطار وحدود الإتفاقيات هو الأصل الخامس (الاقتصاد على أساس الأخلاق)، وكذلك مصالح المسلمين العليا، التي يسهر عليها دائماً حاكم المسلمين ويشرف على مختلف شؤون حياة المجتمع، ويجعل من منهج الاقتصاد الإسلامي منهجاً إرشادياً.
هذا وسأحاول إنجاز القسم الأخير من هذا البحث، وسيحمل عنوان "منابع ظهور الإستثمارات الموجودة"، وهو موضوع مستقل وطريف وتربوي، وسيكون في متناول الراغبين - بمثابة الجزء الثاني من الكتاب - إن شاء الله. (مع بالغ الأسف لم يوفق سماحة المؤلف لكتابة الجزء الثاني من هذا الكتاب)

خاتمة

بقلم العلامة الشيخ علي حجتي كرماني

وفي الختام أرى من الضروري استعراض جانب من مشكلات الإنسان الاقتصادية وطرق حلها, لنرى منشأ هذه المشكلات والاضطرابات من وجهة نظر الإسلام, والحلول التي يقترحها لاجتثاث جذورها والقضاء عليها:
كما أشرنا في الأبحاث السابقة, تعتقد الرأسمالية أن مصدر المشكلة في الحياة الاقتصادية يكمن في قانون الندرة (القلّة) أي لو لم تكن الموارد محدودة لاستطعنا أن ننتج من كل سلعة مقداراً لا حد له يوفر لكل شخص ما يحتاجه من السلع, ولم يعد مهماً بعد ذلك كيف يجري توزيع السلعة وعائداتها بين الأفراد والعوائل المختلفة, بل لأصبحت جميع السلع مجاناً كالماء والهواء.
على هذا الأساس تقوم نظرية القس الانجليزي الشاب توماس روبرت مالتُس, حيث يقول: في المستعمرات الأميركية حيث تكثر الموارد والثروات الطبيعية يزداد عدد السكان بمقدار الضعف كل خمسة وعشرين عاماً, وهكذا أيضاً في سائر الدول, ولو لم تقف الموانع – من قبيل قلة الغذاء والطعام – دون هذه الزيادة لازداد عدد سكان العالم على شكل متوالية هندسية, بدرجة لم يعد بمقدور الكرة الأرضية استيعابهم وهم قيام. وعلى هذا الأساس اعتقد مالتس بضرورة تحاشي الزواج في سن الشباب.
وتنتهي نظرية مالتُس حول التصاعد الهندسي في ازدياد عدد السكان, في نهاية المطاف إلى أن الكرة الأرضية تصغر بالمقارنة مع عدد السكان إلى درجة تصبح المواد الغذائية أقل من المقدار اللازم لأبناء البشر, لأن قانون الخط التنازلي لسير إنتاج الغذاء يعني تأخره عن اللحاق بسرعة الخط التصاعدي لزيادة السكان.
وعلى أساس هذه النظرية يعتبر صاموئيل سن في كتابه الاقتصاد تحديد الزواج والنسل مفيداً في بعض البلدان كالهند.
وتعتقد الماركسية أن الاختلاف والتزاحم في الحياة الاقتصادية الحالية هو نتيجة مباشرة للتناقض الموجود بين أسلوب إنتاج الثروة وطريقة توزيعها, لأن إنتاج الثروة في المجتمع الحالي يجري من خلال العمل الجماعي فيما تعود ملكية وسائل الإنتاج إلى جهات شخصية وخصوصية, وبالنتيجة تضطر الطبقة المنتجة للثروة (العمال) إلى وضع طاقاتها تحت تصرف الطبقة الرأسمالية.
وحسب اعتقاد ماركس فإن الصراع بين الطبقتين سوف يستمر ما لم يقم التوازن اللازم بين أٍسلوب الإنتاج وملكية وسائله, وإن المنتصر في هذا الصراع طبقاً لقوانين التاريخ هي الطبقات المحرومة في المجتمع التي تمتلك وسائل الإنتاج أيضاً.
كما يعتقد ماركس أن الأزمات الاقتصادية الدورية التي تحدث في الدول الصناعية الكبيرة بين فترة وأخرى هي وليدة عدم الانسجام وغياب التوازن بين الإنتاج والاستهلاك, الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية لدى الطبقة العاملة. وعلى الرغم من قيام أساس المجتمعات الرأسمالية على أصل الحرية والمنافسة, إلاّ أن هذه الحرية وهذه المنافسة تؤديان إلى حصر الأمور بيد المؤسسات الاقتصادية وإلى ظهور الاحتكارات وإيجاد الكارتلات الكبيرة, حيث تحتكر قلة قليلة وسائل الإنتاج, ويقل يوماً بعد يوم عدد الرأسماليين وأصحاب الأعمال الصغار ويزداد – بالمقابل – عدد جماهير الدول وأفراد الطبقات المحرومة. وبما أن أرباب العمل يصادرون القسم الأعظم من إنتاج الطبقة العاملة, فإن القوة الشرائية لهذه الطبقة التي تعد ضمن الفئات المستهلكة تصبح غير كافية لشراء السلع المنتجة.
وهكذا تظهر الأزمات الاقتصادية بسبب عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. وفي كل أزمة يعلن عدد من أرباب العمل إفلاسهم وينضمون إلى الطبقة المحرومة, حتى ينتفضوا في يوم ما خلال أزمة أكبر وأشد من الأزمات السابقة, ويقضوا على النظام الرأسمالي.

الإنسان هو المقصر
يرى الإسلام أن الإنسان هو المسبب الأصلي للأزمات الاقتصادية, ويلفت الانتباه قبل كل شيء إلى الأسس الأخلاقية للإنسان وظلمه وجوره, حيث يقول القرآن الكريم: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه, وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار﴾ [سورة ابراهيم, الآيات: 32- 34[.
ويتضح من هذه الآية أن الله خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر والليل والنهار للإنسان ليستخدمها في سبيل منافعه وتكامله. وتدحض الآية بشكل صريح قانون الندرة (الذي عدته الرأسمالية أساس مشاكل الحياة الاقتصادية). تفيد عبارة (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) إن ندرة المواد الطبيعية لا تعد سبباً للاختلاف والتزاحم. فالقرآن يرى أن الإنسان هو الذي انحرف عن مسير الخلقة واختار سبيل الظلم والجور على العدل والإنصاف, وهو الذي مارس الظلم في الشؤون الاقتصادية كما مارسه في سائر شؤون الحياة, ولم يوزع الثروة بالشكل الذي أمر به خالق الثروة, وأن الإنسان هو الذي كفر بنعم الله ولم يستثمر الطاقات التي وهبها الله له كما ينبغي ويتحتم عليه. 

وهناك أدلة واقعية وعينية تثبت صحة نظرية الإسلام بشأن أصل "ظلم الإنسان" بوصفه العامل الأساسي للمشكلات والأزمات الاقتصادية, وتدحض نظرية قلة المواد الغذائية والطبيعية, ونشير هنا إلى بعضها لتوضيح ما ذهبنا إليه:

1- من الصعب جداً عدّ الموانع الطبيعية السبب الأساسي للأزمات الاقتصادية في الدول النامية, لأن العالم الثالث ليس وحده الذي يشكو من المناخ الحار والتربة الحمراء, كما أن هناك دولاً من العالم الثالث تقع خارج المناطق الحارّة ولكنها تشكو من سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحالة الفقر السائدة في الدول الحارّة دون أن تخضع للقانون الإجباري للطبيعة, علماً أن قدرة وسعة أراضيها أكثر بكثير.
وفي معظم الأحيان تملك شعوب العالم الثالث تصوراً خاصاً عن نفسها, فترى عدداً غفيراً من الناس يتصارعون فيما بينهم من أجل محتويات مخزن للطعام وفّرته الطبيعة بشكل شحيح, كما أن هناك صورة أخرى تصور عدداً كبيراً من الناس يجتمعون خلف الأبواب المغلقة لمخزن مليء بالمواد الغذائية لأن معظم الدول النامية بشكل عام تتمتع بقدرات طبيعية وعدد جيد من السكان, غير أن الاستفادة من هذه القدرات غير كاملة, ولا تشمل إلا قسماً من كل هذه الاستعدادات والقدرات.
وتوجد في القسم الأعظم من العالم الثالث أراضٍ واسعة صالحة للزراعة ما زالت غير مستثمرة. كما أن ربع مساحة دول أميركا اللاتينية صالحة للزراعة دون أن تكون هناك ضرورة لاستخدام الوسائل التقنية المتطورة, ولكن رغم ذلك يستغل 5% منها فقط وبصورة عادية وبسيطة جداً. حيث لا يجري ولأسباب معقدة استخدام أراضٍ شاسعة محتكرة من قِبل كبار الإقطاعيين, إذ إن 1.5% من الإقطاعيين الكبار في أميركا اللاتينية يملكون 50% من الأراضي الزراعية.
وكما يقول "ج-أردان": "تملك الدول النامية قدرات وإمكانات كثيرة للإنتاج ولكن لا يجري الاستفادة منها جيداً. وهذه القدرات هي الطاقة الإنسانية, لأن قسماً كبيراً من الطاقة الإنسانية عاطل عن العمل لعدة أشهر في العام والقسم الآخر لا يستخدم بشكل دائم. ولو قلنا إن 200 مليون إنسان في العالم الثالث عاطلون 100 يوم في العام عن العمل, أو أن 20 مليار يوم عمل يذهب هباءً, تبقى هذه الأرقام دون الحقيقة القائمة".
وكان (شو إن لاي) يعتقد أنه يمكن توظيف (14.8) مليار يوم عمل في الصين وحدها.

2- هناك ظاهرة " الإسراف والتبذير" في معظم الدول. ويصفها دانيلولجة وهو يتحدث حول سيشيل بأنها "ظاهرة ثقيلة, معقدة وغير معقولة, وهي ليست عملاً بسيطاً, كما أن عدم الاستفادة من المصادر المتوافرة وغياب التفكير في إيجاد مصادر جديدة ليس عملاً بسيطاً".
وللإسراف والتبذير صور متعددة ومتنوعة, ولكل واحدة منها مفهومها الخاص في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. فمثلاً في دولة ذات تربة هشة وضعيفة ومحدودة ما زالت "الزراعة المعدنية" هي السائدة, أي تظل تُزرع بشكل متواصل حتى تضمحل التربة وتندثر بعد عدة سنوات, فيلجأون إلى زراعة أراضٍ أخرى, فتواجه هي الأخرى بعد مدة المصير نفسه. وفي دولة تعتبر فيها المياه ثروة, يهدرون المياه. ورغم بناء السدود بقيت الأراضي التي يجب ريّها, متروكة وغير مزروعة بشكل واسع.
كما تبدد ثروات كبيرة في دول العالم الثالث في مسائل الترف والبطر, سواء كان ذلك من قبل الحكومات أو من قبل الناس الأثرياء, وهكذا أيضاً الفقراء الذين يحصلون على المال بصعوبة بالغة, حيث يبذرونه في دور القمار أو في شراء الأشياء الإضافية ويتحملون بذلك القروض.
وفي كثير من الدول التي تمتلك إمكانات زراعية محدودة ويعاني الناس فيها من الجوع, يوجهون الاهتمام لإنتاج محصولات صالحة للتصدير بدلاً من زراعة المواد الغذائية التي يحتاجون إليها, ومن ثم يصرفون المبالغ التي يحصلون عليها من التجارة في شراء السلع الإضافية وغير الضرورية.

3- إن تحديد النسل وخفض عدد السكان من خلال المؤسسات الاقتصادية العالمية الحالية, يؤدي حسب رأينا إلى انخفاض مستوى المحصولات الغذائية ويعزز بالنتيجة ظاهرة المجاعة, في حين يمكن للاهتمام بالإنسان وقيمته عبر رفع مستوى الخدمات الصحية ومستوى سلامته وأن يزيد من معدل الإنتاج, ونوضح هذا الموضوع بهذا المثال البسيط:
يستطيع العلم اليوم بما يملكه من الوسائل أن يكافح مرض الملاريا باتباع الأصول الفنية للقضاء على البعوض. ولكن منظمة الصحة العالمية تقول إن حوالي ثلاثة ملايين إنسان بلغ بهم الضعف والهزال بسبب إصابتهم بمرض الملاريا حداً أصبحوا غير قادرين على تحريك أيديهم ورفع لقمة الطعام إلى أفواههم. فلو أن العالم قرر القضاء على مرض الملاريا كما قضى على الحمى الصفراء فإنه سيضيف في المستقبل القريب ستة ملايين عنصر من الطاقة البشرية لإنتاج المواد الغذائية.
وهناك وسيلة أخرى أكثر تأثيراً لزيادة الإنتاج هي تعميم زراعة الأراضي ذات التربة المتنوعة والاستفادة من النباتات والحيوانات كوسيلة لمعاش الإنسان. والسبيل الآخر هو الاستفادة الصحيحة من الموارد الغذائية التي لم تستخدم حتى الآن كالبحار والمحيطات وكذلك تربية الحيوانات في المياه العذبة والمالحة لزيادة مقدار المواد الغذائية.

إن علماء الجغرافيا والمجتمع المعاصرين لا يؤيدون نظرية مالتس حول تحديد النسل, من أجل مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والمجاعة التي يعاني منها عدد كبير من سكان الأرض.
بل لا يؤيدون مسألة الإجبار أبداً, ويقولون: لو قبلنا بأن الحدود الجغرافية وضعت قيوداً كثيرة على حركة الإنسان, فإن ذلك يعني العودة إلى الآراء والنظريات الجغرافية القديمة لعصر (راتزال).
النظريات التي تقول إن البيئة هي التي تصدر التعليمات التي تمنح الإنسان دور البيدق على طاولة شطرنج العالم ولا يملك أية قدرة للإبداع والابتكار بل هو فاقد للإرادة, ولا يملك الفرار من القوانين الجائرة للطبيعة كما لا يقدر على عمل شيء ما! وجميع هذه التصورات بعيدة عن الواقع. فالإنسان يستطيع بقدرته الإبداعية أن يتخلص من القيود والضغوط التي تفرضها الطبيعة عليه, وأن يحوّل الجبر الجغرافي إلى الإمكانات الاجتماعية.

4- هناك حقيقة يصعب إخفاؤها وهي أن العالم يتمتع بما فيه الكفاية بالمنابع الطبيعية, وإذا كان الكثير من "ضيوف الأرض" ما زالوا غير قادرين على الاستفادة من هذه المائدة المبسوطة فإن مرد ذلك هو أن جميع الحضارات – ومنها حضارتنا – قائمة على أساس عدم المساواة في البعد الاقتصادي.
وقبل كل شيء , لا بد من تصحيح الأفكار السياسية المعاصرة وأن نزيل منها الفكرة الباطلة التي ترى الاقتصاد نوعاً من القمار وتقول بأن "فئة يجب أن تخسر كل شيء لتفوز بها فئة أخرى" ويجب تبديل الاقتصاد إلى نوع من أدوات التوزيع العادل للثروة, لئلا يستطيع أحد أن يعرّف الاقتصاد كما عرّفه كارل ماركس بالعبارة المرة "علم البؤس والفقر الإنساني".

5- إن مساحة إستخدام العلم والتقنية لحل المشكلات الاقتصادية واسعة جداً وليس هناك شك في أن العلم قادر- بشكل قاطع – على أن يساهم في زيادة الإنتاج, وتكون قيمة هذا التعاون من جانب العلم وفيرة لو أن المتصدين لقيادة العالم دعموا وأيدوا المحققين البيولوجيين. فحضارتنا التي أولت كل اهتمامها بمسألة إنتاج الثروة, تولي بالتحقيقات الجارية في مجال علم الفيزياء أو الكيمياء اهتماماً أكثر مما توليه بالتحقيقات العلمية البيولوجية! ويقول (جولين كسلي) العالم الإنجليزي، بالاستناد إلى الأرقام العالمية: "التحقيقات الجارية في مجال الفيزياء تبلغ خمسة (أو ستة) أضعاف التحقيقات الجارية في مجال العلوم البيولوجية".
وفي القرن الأخير, كان المسؤولون الرسميون أو أصحاب الأعمال الخاصة يميلون أكثر من السابق للأمور المتعلقة بالاستثمارات الاقتصادية. وبشكل عام لم يولوا أهمية تذكر للقضايا الإنسانية, لأنهم اعتبروا الإنسان آلة, بل لولباً في العجلات الاقتصادية. وهكذا يتضح لماذا تكون المناصب ذات الفوائد المادية التي يتمتع بها علماء الفيزياء والكيمياء أكثر مما يتمتع بها علماء البيولوجيا, لأن التحقيقات الفيزياوئية والكيمياوية أكثر فائدة للصناعة والتجارة التي تؤمن تكاليف تلك التحقيقات مما هي عليه التحقيقات البيولوجية التي تهتم بسلامة الإنسان وحسب, وهذه السلامة الإنسانية رأسمال لا يحقق فائدة مباشرة لهم.
وأشار عالم إنجليزي إلى عام 1940 حيث كان عدد الباحثين العاملين في مختبر إحدى المؤسسات الصناعية (امبريال كميكال اينداستريز) لاكتشاف سبل جديدة للتطور العلمي في الأساليب الكيمياوية أكثر بكثير من جميع البيولوجيين الذين كانوا يعملون في جميع أرجاء الإمبراطورية البريطانية.
وفي كل الأحوال يقول ويتني كروس, Whitney Cross : " من المسلم به أننا نعلم كيف يمكن الحصول على غذاء أكثر, نحن نستطيع إحياء الغابات مرة أخرى, ونستطيع أن نحافظ على أخصب أراضينا, بل نستطيع أن نزيد بالتدريج مقدار إنتاجنا وأن نجني حبوباً أكثر من سنبلة القمح, ونستطيع أن نروي – بشكل أفضل – المناطق الثرية دون أن نلحق بها الضرر. ونستطيع أن نبدل بعض النباتات بل وبعض الأشجار التي يمكن أن تنمو في الأراضي الفقيرة إلى مواد غذائية. ونستطيع من خلال الاستفادة من الغيوم أن نصنع المطر في كل مكان يحتاج إلى الرطوبة وأن لا نسمح بنزول المطر في المناطق التي لا تحتاج إليه. ونستطيع أن نستثمر بشكل أفضل الثروات البحرية وأن نوجد أراضٍ واسعة في وسط المحيطات". ("نقلاً عن الكتابين النفيسين (الإنسان الجائع) تأليف جوزيه دو كاسترو، و(العالم الثالث وظاهرة قلة التنمية) تأليف: ايفلكت ترجمة: منير جزني، طهران") 

غير أن جميع هذه الإمكانات وجميع هذه القدرات إنما تتحقق بشرط واحد هو: أننا يجب أن نكافح الضعف والعدوان وعدم الانضباط وظلم الإنسان, وبدون ذلك وعلى فرض أن العلماء قاموا بجميع هذه الاكتشافات, كيف يمكن وبأية وسيلة الحيلولة دون تقديس الذات وعدوان أصحاب الصناعات في العالم؟ وبأية قوة وسلطة يمكن تحذير مسؤولي حكومة البروليتاريا من الاستبداد والدكتاتورية؟!.
ومن ملاحظة هذه النقطة نقول إن من وجهة نظر الإسلام العالمية, لو أن الإنسان تجاوز الظلم والجور في مجال توزيع الثروة واستخدم حين الإنتاج جميع الطاقات التي وهبها الله له ولم يدخر جهداً في العمل والنشاط, حينذاك لن تحدث مشكلة في الحياة الاقتصادية, وفي هذه الحالة وحدها نستطيع أن نأمل بالعيش في عالم نظيف خالٍ من الفقر والجوع, وأن نضع حداً للجغرافيا السوداء لمناطق الفقر كما هي الحال في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. تلك المناطق التي كأنما خلق إنسانها للموت, والجغرافيا التي يواجه إنسانها للموت, والجغرافيا التي يواجه إنسانها مستقبلاً مظلماً, فالأرض فيها ليست ملكاً للإنسان, بل الإنسان ملك للأرض!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أستاذ علوم إسلامية في جامعة طهران.
(2) قال تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ..." سورة الأعراف، الآية: 96.
(3) نشر مركز الإمام الصدر هذا البحث مستقلاً تحت عنوان "المذهب الاقتصادي في الاسلام" 2000.
(4) العمل – رأس المال – الآلة.
(5) من الضروري هنا أن نلفت نظر القارئ العزيز الى الفرق بين "علم الاقتصاد" و"المذهـب الاقتصـادي" كـي تتضـح المسألـة تمامـاً: "المذهب الاقتصادي" يعني الطريقة والأسلوب، فيما يعني: علم الاقتصاد، دراسة وتحليل القوانين الاقتصادية. وبعبارة أخرى إنّ المذهب الإقتصادي هو كل قانون ودستور في الحياة الاقتصادية يستند الى العدالة الاجتماعية. أما علم الاقتصاد فهو الذي يدرس القوانين الاقتصادية بالمقاييس العلمية والمادية دون أدنى علاقة بمسألة العدالة وغيرها من المسائل المشابهة.
فعلى سبيل المثال: إنّ البحث حول العوامل والأسباب التي تؤدي الى زيادة الإنتاج أو قلّته، وكذلك قانون العرض والطلب، وقانون تحديد الأجور، يعدّ من شؤون علم الاقتصاد، ولكن عندما تأخذ هذه المسائل صبغة عملية وتكون موضع تأييد أو رفض أحد المذاهب الإقتصادية، فإنها تعدّ من قوانين المذهب الاقتصادي. أي لا يوجد مذهب اقتصادي ينظر الى مسألة الإنتاج من زاوية القوانين العلمية والمقاييس المادية، وإنما يبحث – مثلاً – في مسألة "هل يجوز" و"هل من العدالة" أن نضع وسائل الإنتاج تحت تصرف الحكومة؟ أو ما هي الطريقة العادلة لإنتاج الثروة وتوزيعها وحل المشكلات الاقتصادية للإنسان.
إثر هذا الخلط والخطأ بين "علم الاقتصاد" و"المذهب الاقتصادي"، ظن البعض أنّ الإسلام لم يأتِ بنظام اقتصادي، وأنّ الإعتقاد بوجود اقتصاد إسلامي ليس إلاّ ضرباً من الخيال، لأنهم لم يجدوا في الإسلام بحثاً علمياً بحتاً حول الاقتصاد وتوزيع الثروة كأبحاث علماء الاقتصاد التقليديين أمثال "آدم سميث" و"ريكاردو"! في حين أنهم لو التفتوا الى الفرق بين هذين الموضوعين لما ظنوا مثل هذا الظن، ولأشادوا بالإسلام لأنه طرح مذهباً ومنهجاً اقتصادياً عادلاً يعدّ جزءاً من عقائد وقوانين هذا الدين المقدس.
(6) نُشرت بحوث الكتاب أولاً بصورة مقالات متتابعة في إحدى المجلات الفكرية التي كانت تصدرها الحوزة العلمية في مدينة قم، وقد حملت عنوان "الاقتصاد في المدرسة الإسلامية".
(7) ما دامت الطبقة العاملة، أو "البروليتاريا"، التي تشكّل في النظام الرأسمالي طبقة معيّنة، أسيرة النظام الرأسمالي، فإنها لا تستطيع رفع مستواها المعيشي أكثر من الحد المنظور لها. وطبقاً لقانون تحديد الأجور، يجب أن لا تتجاوز أجور العمال المقدار الضروري لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

(8) من خلال تفوقهم الفكري والعقلي دعوا عامة الشعب والحكومة الى تسهيل سبل كسب المال والذهب، وكانوا يطرحون الأفكار الكفيلة بذلك، معتقدين بأرجحية المال والتجارة على الزراعة والصناعة. ثم عُرفت آراؤهم بـ"المذهب الاقتصادي المركانتلي" (التجاري).
(9) "الفيزيوقراطيون" مجموعة من المفكرين الذين اتفقوا في الأصول، وبرزوا الى مسرح الأحداث نتيجة الفوضى وعدم وجود نظام اقتصادي واضح. ومن شخصياتهم المعروفة الدكتور "كونيه" الذي عُرف بشعاره القائل: "مسكينة تلك الدولة التي يكون فلاحوها من الفقراء والمحرومين.
(10) من أجل دراسة النظام الرأسمالي، لا بد من التطرق الى القوانين الأساسية الحاكمة على التحول الاقتصادي الرأسمالي:
أ) النفعيـة: نعلم بأنّ الاقتصاد الرأسمالي اقتصاد "قائم على السوق"، أي أنّ الإنتاج الرأسمالي هو السلعة، وأنّ هدف المنتج هو بيع الناتج، ولا يقدّم المنتج هذا العمل خدمة للمجتمع الإنساني بل من أجل كسب شيء نسميه "الربح".
ب) المنافسـة: تتوقف سهولة بيع الناتج على وضع "الطلب"، وهذا بدوره يتحدد في ضوء القدرة الشرائية. في حين لا يتم فرض مثل هذا القيد على الإنتاج. وهكذا، تقوم المنافسة بين أرباب العمل الرأسماليين من أجل الحصول على "الطلب". ويحاول كل رب عمل قدر الإمكان أن ينتزع المشتري من زميله، وأن يمسك السوق بيده ويشبعه بمنتوجاته، وأن يطرد منافسيه من الساحة.
ج) المركزيـة: من أجل أن لا يطرده منافسوه من السوق، ومن أجل أن يبيع كل إنتاجه، لا بد لكل رأسمالي أن يخفّض ثمن سلعته، ولا بد أن يعمل على توسيع نطاق تشكيلاته، الأمر الذي يستدعي توظيف مزيد من الأموال، وكذلك خروج الرأسماليين الذين لم يتمكنوا من الصمود، أو لم يريدوا ذلك من ساحة المنافسة. وعليه، تتركز أدوات الإنتاج – ومن ثم المنتوجات – بيد فئة معدودة أكثر فأكثر.
د) إنخفاض حصة الربح: طبقاً لقانون المنافسة، يسعى الرأسماليون دائماً لانتزاع الأسواق من يد منافسيهم. ومن أجل ذلك يسعى كل واحد منهم لزيادة إنتاجه ليستطيع أن يعرض منتوجه بثمن أكثر ملاءمة من أثمان زملائه، الأمر الذي يؤدي الى المركزية والى انخفاض مقدار الفائدة (حصة الربح) في الوقت نفسه.
ونفهم من ذلك أنّ الربح هو القوة المحركة للاقتصاد الرأسمالي، وأنّ البحث عن الفائدة والمنفعة بين الرأسماليين يؤدي الى بروز المنافسة، التي بدورها تدفع كل رأسمالي نحو توسيع نطاق تشكيلاته وإزاحة منافسيه من الساحة، وهذا ما يؤدي في النهاية الى المركزية. ثم تستمر الحالة النفعية عبر تشكيلاتها العملاقة بالمنافسة فيما بينها داخل البلد الواحد، أو ما بين عدة بلدان مختلفة. وفي النتيجة تقوم هذه التشكيلات بزيادة كمية إنتاجها عبر استكمال وسائل الإنتاج، وتؤدي هذه الزيادة تلقائياً الى انخفاض الربح.
في هذه الحال، يجب على الرأسمالي إما أن يذهب أبعد من قانون تحديد الأجور، ويخفّض أجور العمال الكادحين الى أدنى من مستوى الكفاف، ويزيد من ساعات العمل، ولا ينتج هذا الأمر غير البطالة، وتمرد العمال، وتدمير أساس الرأسمالية، وتفجّر ثورة الكادحين ، وقيام حكومة البروليتاريا على أنقاض الرأسمالية. وإما أن يحدد سقف الإنتاج، عبر تشكيل مؤسسات احتكارية، ويحافظ بذلك على الربح. وهنا يعيش المجتمع حالة من الركود والاضطرابات الاجتماعية التي لا يمكن الخلاص منها إلاّ بالقضاء على الرأسمالية وإزالتها.
وهكذا، فإنّ الربح الذي يشكّل القوة المحركة للاقتصاد الرأسمالي يعدّ في الوقت نفسه إحدى نقاط ضعفه. ومن جهة أخرى، نستطيع أن نعتبر الرأسمالية، في منظار عالمي، قاعدة وأساساً للعدوان والممارسات التوسعية، وأن نعتقد في نهاية المطاف بخروج الممارسات التوسعية من الإطار الاقتصادي الى الإطار السياسي، لتنتهي الى الإمبريالية، وتكمن هذه النتيجة في طبيعة وجوهر هذا النظام.
وطبقاً لما يقوله "بيار ريمبر"، فإنّ "الرأسمالية تحمل الحرب في داخلها مثلما يحمل السحاب الصاعقة والعاصفة" (الاشتراكية، ص: 76).
وبالالتفات الى الموضوعات التي ذُكرت أعلاه، ومع الأخذ بنظر الاعتبار الجرائم والمفاسد الأخلاقية والاجتماعية التي تنشأ اليوم من المعسكر الرأسمالي الغربي، يتضح جيداً أنّ الرأسمالية عاجزة عن حل المشكلات الإقتصادية للشعوب، بل إنها من أشد النظم الاقتصادية رجعية وخواء، وقد ترافقت دائماً مع الظلم والاستغلال والإعتداء على حقوق الإنسان، = حتى أصبحت الآن مرفوضة في معظم دول العالم، أو أنها في حالة الاحتضار، ولم تعد قادرة على التقدم. وبموازاة الحركات التحررية التي تخوضها الشعوب ضد الاستعمار والإمبريالية، سيزول النظام الرأسمالي بكل آثاره المشؤومة الأليمة عن مسرح الحياة الإنسانية.
(11) المقصود من Plus – Value، أو فائض القيمة، الربح الناتج من بيع سلعة بعد تأمين كافة مصاريفها..
وتوضيحه: أنّ رأس المال الذي يجري توظيفه في منظومة ما يقسم الى قسمين: القسم الأول، يوظف لتوفير الوسائل، والأبنية، والمواد الأولية. والقسم الثاني، يصرف كأجور للعمال. وإذا قبلنا بتعاريف "ماركس"، نسمي القسم الذي يوظف من رأس المال لتوفير الوسائل والبنايات والمواد الأولية "رأس المال الثابت"، ونرمز إليه اختصاراً بالحرف (ث)، ونسمي القسم الذي يصرف كأجور "رأس المال المتغير" ونرمز إليه اختصاراً بالحرف (م). وبذلك يكون (ث + م) مجموع رأس المال الذي يتم توظيفه في مؤسسة إنتاجية، وهو ما يسميه "ماركس" بـ"التركيب المنظم لرأس المال".
والبنايات". والثاني: "قيمة العمل الجديد"، أي العمل الذي يجب القيام به حتى تتحول المادة الأولية الى سلعة.
وبدورها تنقسم "قيمة العمل الجديد" الى قسمين، الأول: الرأسمال المتغير (الأجور)، والثاني: "القيمة الفائضة" التي ليست إلاّ مجموع الربح. ويعتقد "ماركس" أنّ رأس المال المتغير والعمل الجديد يتحققان بواسطة العمال الذين ينتجون القيمة الفائضة التي يسرقها رب العمل – الرأسمالي.
(12) اتّباعاً للعالم الاقتصادي التقليدي "ريكاردو"، يرى "ماركس" العمل أساس القيمة التبادلية للسلعة. ومن هذه الرؤية الاشتراكية بأنّ الربح الذي يضاف الى الأثمان والتكاليف في سوق التبادل (القيمة الفائضة) هو من نصيب وحصة العامل، ولكن الرأسمالي يسرقه منه، وإنّ هذه السرقة لا تؤدي إلاّ الى الاختلاف الطبقي والتناقض الاقتصادي. ومن أجل القضاء التام على الطبقية وتغيير وضع المجتمع الى مجتمع الطبقة الواحدة، لا بد من إقامة النظام الاقتصادي الاشتراكي على أساس القواعد الأربع التالية:
1- اشتراكية وسائل الإنتاج.
2- إحلال الملكية العامة بدل الملكية الخاصة.
3- محـو الطبقية.
4- أن يتم التوزيع على أساس قانون: "من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله".
وهنا لا بد من الالتفات جيداً الى النقاط التالية:
أ) ترى الاشتراكية الماركسية العامل الاقتصادي، الأساس الوحيد لكل التحولات، ومن ثم ترى أنّ السبيل الوحيد لمحو الطبقية يكمن في تحسين الوضع الإقتصادي وتوزيع الثروة بشكل عادل. في حين أننا نعلم ونرى بوضوح أنّ هذه النظرية لا تصح دائماً ولا تنطبق على كل مكان. 
وما أكثر الاختلافات والفوارق الطبقية التي تنشأ من جذور دينية وسياسية أو عسكرية.
وبناء على هذا ليس صحيحاً أن نعتقد بأنّ إلغاء الملكية الخاصة، وحصر وسائل الإنتاج بيد الحكومة العمالية يعني محو الاختلافات الطبقية، بل يمكن أن تظهر في إطار المنظومة الاشتراكية فوارق طبقية جديدة على أساس آخر.
ب) طبقاً لقاعدة "لكل حسب عمله" في النظام الاشتراكي ونظرية "ماركس" القائلة: القيمة = العمل المنجز، لا بد لكل شخص أن يعمل ويأخذ ربحاً من الإنتاج، ولكن نظراً لتباين الأشخاص من حيث الاستعدادات الفكرية والبدنية، يكون هذا القانون في مرحلة التطبيق أساس الاختلافات الطبقية الجديدة. فعلى سبيل المثال: هناك عامل لا يستطيع أن يعمل أكثر من ست ساعات في اليوم، في حين أنّ عاملاً آخر يستطيع أن يعمل عشر ساعات، أو أنّ عاملاً قادراً على الإبداع والابتكار يستطيع أن يوظف ذلك في حركة الإنتاج ويرفع قيمة السلعة المنتجة الى الضعفين، ولكن غيره قد لا يملك مثل هذا الاستعداد. وفي هذه الحالة لا يستطيع النظام الاشتراكي أن يساوي بين عامل يصنع الأدوات الكهربائية وبين آخر يعمل جمّالاً، بل يجب أن يفرّق بينهما طبقاً لقانون "القيمة = (العمل المنجز) وتدفع أجور أقل للعامل البسيط لأنه خلق قيمة أقل.
يقول أحد قادة المذهب الاشتراكي: "يستحيل أن نستطيع من الناحية العملية تطبيق المساواة المطلقة، وننظر الى إنتاج المفكرين والسياسيين والمخترعين في مستوى عمل بسيط، لأنّ هذا الأمر سيقود الى الجمود الفكري وإلغاء الحياة الفنية والعقلية". ("اقتصادنا"، ج: 2، ص: 216)
وبناء على هذا، ليس أمام الحكومة في النظام الاشتراكي غير خيارين: إما أن تطبق نظرية "لكل حسب عمله" بحذافيرها على صعيد التوزيع الخارجي، وهذا ما يؤدي الى نثر بذور الفوارق الطبقية الجديدة نظراً لاختلاف الأعمال وتباين الأثمان والقيم تبعاً لذلك.
وإما أن تطبّق المساواة بشكل غير عادل بين العمل البسيط والعمل المركب، والعامل البسيط والعامل الماهر، وتلغي دور المواهب والكفاءات والعلوم، وتسرق القيمة الفائضة التي يخلقها العامل الفني الماهر بدل أن يسرقها الرأسماليون. وهذا ما لا ينسجم مع أصول الاقتصاد الاشتراكي أيضاً.
ج) قبل أكثر من مئة عام – أي في عام 1848 – صدر البيان الشيوعي الذي يعدّ أشهر وثيقة اشتراكية، وقد وقع "ماركس" تحت تأثير الأوضاع التي كانت سائدة في بلدان الغرب آنذاك والسلوك الأوروبي العام في حرية الملكية بشكل مطلق، والرأسمالية والنظام الذي لم يكن يعدّ العامل شيئاً، ودرس في كتابه قيمة العمل بشكل مبالغ فيه، حتى أنه لم يأخذ بالحسبان أي فرق بين قيمة المواد الأولية في الطبيعة وبين مسألة كثرة (أو قلة) السلعة وموضوع العرض والطلب. ورأى ميزان القيمة في مقدار العمل المتجسد فقط، ولذلك لا يمكن اعتبار هذه النظرة إلاّ فرضية ذهنية لا تتفق مع الواقع، ولا يمكن أن تكون أساس نظام اقتصادي راسخ.
(13) لا تملك "المالتُسية" أي رصيد علمي، مضافاً الى أنّ لها جذوراً استعمارية. وكان "مالتس" نفسه عميلاً للاستعمار البريطاني.
ولكي يتضح الموضوع، يكفي أن نعلم بأنّ أكثر من 20 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم ليست مزروعة، وأنّ هذه الأراضي تشمل أراضٍ قابلة للإنتاج مع أبسط وأسهل الأساليب والفنون الزراعية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ قيمة المنتجات الأًصلية التي تتحقق من الزراعة كانت دائماً أقل من قيمة المنتجات الصناعية. وهنا يظهر للعيان الهدف الأول للاستعمار، لأنه هو الذي أوجد مثل هذا الفرق الشاسع والشرخ العميق بين المنتجات الصناعية والمنتجات الزراعية، وجعل الأخيرة حقيرة متدنية، وأصبح سبباً لعدم استخدام الأراضي استخداماً صحيحاً.
وينتقد "جوزيه دو كاسترو" المتحدث باسم "المالتسيين"، معادلة "م – وغت"، التي هي عبارة عن نظرية "مستوى الطاقة الحياتية للتربة"، ويقول: "ليس هناك وجود لمثل هذا المستوى، ويمكن زيادة المحصول والناتج الى خمسة أو ستة أضعاف بنفس التقنية الموجودة اليوم. صحيح أننا لا نقول بأنه لا نهاية لهذه القدرة، ولكن لا شك أنّ طاقة إنتاج التربة هي أكثر من المقدار الذي تقدّمه اليوم. وعليه، فإنّ من الخطأ الفاحش أن ندّعي عدم توافر التربة والمنابع الكافية لإطعام البشر، بل نستطيع، وبهذه التقنية الحالية، أن نطعم من البشر عشرة أضعاف تعدادهم الحالي في العالم.
بل يمكن من خلال الأساليب الفنية المتطورة وبسهولة، توفير الطعام لمئة ضعف من نفوس العالم حالياً.
ولو كان "مالتُس" صادقاً، وكان تعداد العالم يزداد حسب "المتوالية الهندسية" لبلغ نفوس العالم 180 مليار نسمة وليس 3 مليارات. ويكشف هذا الحساب أكثر من أي شيء آخر كذب هذا الادعاء. والمسألة الأكثر إثارة هي أنّ السيد "مالتس" يسعى إلى تبرير أساس المشكلات الاقتصادية بازدياد سكان العالم، وبعدم كفاية المصادر الطبيعية، وعدم تناميها، ويقول في الرسالة التي بعثها بتاريخ 7 تموز 1821 إلى "ريكاردو" العالم الاقتصادي المعروف: "في جميع أرجاء العالم تقريباً، أثمرت طاقات عظيمة ولم تُستخدم في العمل، ونحن نفسر هذه الظاهرة بأنه: بما أنّ المنتجات الموجودة لا توزع بصورة جيدة فلا يوجد مبرر كافٍ لاستمرار الإنتاج".
والمسألة المهمة جداً التي ينبغي الإشارة إليها هي أنّ "مالتُس" كان إنساناً قلقاً ومضطرباً، فاستغله الاستعمار وقام باستخدامه. وأصبح المستعمرون يستفيدون من أفكاره ونظرياته.
ظهرت نظرية "مالتس" مع الثورة الصناعية الأولى، وكانت بمنزلة المساعد والمؤازر للطبقة الحاكمة في بريطانيا – التي كانت تريد أن تقنع ضميرها حول مسألة الهند! – فهؤلاء الذين كانوا يريدون احتلال الهند وإبادة الهنود رأَوا أنّ صناعاتهم تقتضي هزيمة الهند وإيجاد القحط ثم تدمير الهنود، ولكنهم كانوا يريدون أن يوحوا إلى أنّ البريطانيين ليسوا مذنبين في ظهور هذا القحط القاتل، بل هو ذنب الهنود الذين يتكاثرون بدون أي ضابط ونظام، فأصبح "مالتس" في خدمة هذا الهدف اللاإنساني ونال مكافأة جيدة على خدماته.
يراجع كتاب "العالم الثالث وظاهرة قلّة النمو"، ص: 41، ونشرة العلوم الاجتماعية، العدد: 2، ص: 126 و 127، وسلسلة مقالات كاتب السطور في نشرة: خلاص جيل الشباب، العددان 8 و 9.
(14) يجب أن لا يساء الفهم، فالمقصود ليس الدفاع عن أرباب العمل والنشاطات غير المشروعة واللإنسانية لأصحاب الرساميل، بل دراسة حقيقة علمية حول كيفية توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها بين عوامل وعناصر الإنتاج، وهل العمل، باعتباره أحد عناصر الإنتاج، هو وحده الذي يستفيد من الربح الخالص دون سائر العناصر؟!
ومن الواضح أنّ دراسة هذا الموضوع – وكذلك البحث حول إمكانية وجود رأس مال مشروع – ليس لها علاقة بالنظام الرأسمالي الرجعي والمهترئ أبداً. وقد بيّنا في أحد الهوامش السابقة ضمن دراسة الأسس المتحكمة في التحول الرأسمالي نقاط ضعف وعجز هذا المذهب الاقتصادي.
(15) في الحقيقة، إنّ حصر تحديد القيمة الواقعية للبضائع الصناعية في ميزان مقدار العمل المتجسد، أمر غير مقبول، لا من حيث الفكر والنظرية، ولا من حيث انطباقه مع الحياة الواقعية، وإنّ القبول به أو الدفاع عنه ليس إلاّ تعصباً وجموداً.
ومما يبعث على الحيرة والدهشة، إصرار "ماركس" – رغم قدرته العلمية – على هذه النظرية ومحاولاته المستميتة للبرهنة على صحتها، عبر طرح التبريرات والاستدلالات الاقتصادية والمعادلات المختلفة! وربما تزول هذه الدهشة إذا ما ألقينا نظرة على أوضاع الغرب آنذاك، خاصة الدول التي عاش فيها "ماركس" وشاهد أوضاعها عن كثب، لأنّ النظريات والمناهج الأوروبية العامة في فترة التحولات الصناعية وما قبلها، كانت تنطلق من حرية الملكية والرأسمالية المطلقة وكانت هذه الحرية المطلقة قد قُبلت في تلك البلدان باعتبارها نظاماً طبيعياً أو إرادة إلهية (!)، وكانت العواطف والأفكار الإنسانية تزداد توهجاً بشكل دائم مقابل جشع وطمع الرأسماليين الذين كانوا يتمتعون بحماية الحكومة والقانون.
وقد أدرك "ماركس" جيداً – من خلال اطلاعه الكامل على أوضاع عصره – أساس النظام الظالم آنذاك، ووضع إصبع تشخيصه على أعصاب الألم المستعدة للثورة. ومن خلال دراسة قيمة العمل بشكل مبالغ فيها حرّض العمال على النهوض والثورة، فبلغ التحول والثورة - التي وضع "ماركس" وزملاؤه أسسها – أوجهما في روسية عام 1917.
وبعد انتصار الثوار وهدوء الأوضاع نسبياً، وُضعت المشاريع الماركسية على محك التجربة. وحتى نهاية الحرب العالمية الأخيرة لم تكن شعوب العالم تعرف – كما يجب – ماذا يجري خلف الستار الحديدي. وبعد انتهاء الحرب واتصال روسية بالعالم الخارجي، اتضحت الى حد ما الأوضاع والأحداث التي شهدتها تلك البلاد.
والآن أمست نقاط القوة والنتائج المفيدة، وكذلك السلبيات والمعايب والمضارّ العملية للنظريات المطروحة، موضع دراسة وبحث. ولكن المسلّم به هو أنّ هذه الثورة على الرغم من الهزة التي أحدثتها في العالم والبشر الذين أنقذتهم من الاستغلال، أوجدت طبقة جديدة في مهد الثورة مع امتيازات قانونية لا حصر لها ومنحتها السلطة. فيما كانت التوقعات والبشارات التي أعلنتها شيئاً آخر. وكان المولود الذي أفصح عن وجهه في البلدان الشيوعية عبارة عن فئتين مقتدرتين متسلطتين هما إدارية (البيروقراطية) وعسكرية (الميلتارية).
وقد اعترف بذلك "لينين" حين قال بأنّ حزبه يمثل سلطة جديدة. واعترف كثير من زعماء الشيوعية بأنه لم يتم القضاء بشكل تام على أصول الرأسمالية والأعمال العدوانية الناجمة عنها، وأنّ الطبقات ما زالت قائمة بأشكال مختلفة رغم كل التوقعات.
(16) تناول سماحة المؤلف هنا توزيع الثروات المنتجة وحسب، في حين كان من الأفضل أن يتناول "التوزيع قبل الإنتاج" أولاً، ثم ينتقل الى دراسة منهج الإسلام في توزيع الثروات المنتجة بين عناصر الإنتاج. وسنحاول نحن هنا استعراض هذا الموضوع بصورة إجمالية:
أقام الإسلام توزيع الثروة – العادل – على أساس الحاجات الفطرية والرغبات الطبيعية للإنسان، ورفض إجراء أي تعديل أو تغيير على هذا القانون مهما اختلفت الظروف وتباينت الأوضاع، لأنّ القضية هي قضية الإنسان وحاجاته ورغباته الطبيعية.
والذين أطلقوا على الاقتصاد الاسلامي – جهلاً أو عمداً – تسمية اقتصاد رعي الأغنام واعتبروه غير قابل للتطبيق في عالم التكنولوجيا، كانوا غافلين عن هذه الحقيقة أو تجاهلوا أنّ إنسان اليوم هو إنسان الأمس، وأنّ الدوافع الفطرية والحاجات المختلفة والرغبات الطبيعية لإنسان اليوم هي الرغبات والدوافع الفطرية ذاتها لإنسان الأمس. فإنسان القرن العشرين هو نفس إنسان عصر رعي الأغنام وبنفس الخصوصيات والملكات الإنسانية، سواء كان يفلح الأرض بيده ويزرعها أو يستخدم في ذلك المكائن الحديثة مستفيداً من التطور الصناعي.
إنّ القاعدة الاقتصادية التي وُضعت على أساس الفطرة البشرية لن تخفق وتضعف أبداً، وهي تنفع عالم الرعي وتتكفل أيضاً دنيا الصناعة. فالإسلام يقول: يجب توزيع الوسائل والعوامل الطبيعية للإنتاج بالشكل الذي يلبي الحاجات الطبيعية للإنسان، ويستطيع جميع الناس أن يأخذوا نصيبهم منها. ومن الواضح أنّ كل إنسان له حاجاته ورغباته الخاصة به، تبعاً لاختلاف خصوصيات أفراد البشر، ولا بد من مراعاة تلك الحاجات والرغبات ضمن حدود وأطر معيّنة. وقد لبى الإسلام، من خلال السماح للملكية الفردية في بعض الأموال والمباحات العامة، هذه الحاجة الفطرية. وبما أنّ المجتمع الإنساني بدوره يحتاج الى بعض الضرورات الخاصة، فقد تكفّل الإسلام أيضاً بحل الحاجات الجماعية عن طريق الملكية العامة في بعض مصادر الإنتاج. ونظراً لوجود بعض الأفراد الذين لا يقدرون على توفير احتياجاتهم عن طريق الملكية الفردية، وإنه لأمر طبيعي أن يختل التوازن الاقتصادي بمحرومية البعض، تكفّل الإسلام بحفظ هذا التوازن وحماية المجتمع من الأزمات الاقتصادية، وذلك عن طريق الاعتراف بملكية الدولة الإسلامية، ووضع لكل واحدة من هذه الملكيات قواعد وأحكاماً وشروطاً خاصة، وبذلك وزع الطبيعة والمواد والثروات التي سخّرها الله تعالى للإنسان في مسير توفير حاجات الإنسانية بشكل عادل.
(17) يشير التاريخ الى أنّ أكل الربا وتحقيق الفائدة عن طريق النقد، كان أمراً شائعاً وحراً بين الأمم والأقوام السابقة، ولكنه في الوقت ذاته اعتُبر عملاً قبيحاً وظالماً، وكان الناس يلومون المرابين وينتقدونهم.
ففي مصر القديمة كان أكل الربا شائعاً، مع وجود بعض القوانين التي تحدّد مقدار الفائدة. فطبقاً لقانون "لوخوريوس" مثلاً، لم يكن جائزاً أبداً أن ترتفع الفائدة الى مستوى مقدار أصل المال.
وفي اليونان – قبل فترة الإصلاحات وسن قانون "سولون" المعروف – ، وفي الروم – قبل سن قانون الألواح الإثني عشر – كان أكل الربا شائعاً بدون أية قيود، بل كانت العادة جارية بأن يكون المدين عبداً ومملوكاً للدائن ما دام عاجزاً عن أداء دَينه!
الدولة الوحيدة التي كان الوضع فيها يختلف عن سائر الدول القديمة هي دولة "إسبارطة" التي لا نشاهد في تاريخها ما يشير الى وجود أكل الربا أو قوانين متعلقة بذلك، ولعل السبب هو عدم ظهور النقد في ذلك الوقت، بل كانت معظم المعاملات التجارية تتم على شكل المقايضة، أي تبادل السلعة بسلعة أخرى.
وفي الصين، كانوا يحترمون آكلي الربا أثناء إعطاء القرض فقط، والمثل الصيني يقول: "اللصوص الأصليون يعملون في الصرافة".. ("التاريخ العام"، ويل ديورانت، ج: 3، ص: 1051).
وفي الجزيرة العربية لم يكن قبل الإسلام أي قانون أو عرف يحدد أكل الربا. فالعرب كانوا يقترضون من اليهود القاطنين في الجزيرة العربية ثم يقرضون ذلك المبلغ مرتين بعضهم بعضاً بفائدة أكبر!
وحول تحريم الربا تقرأ في التوراة ما يلي: "إذا أقرضت نقداً فقيراً من قومي وهو جار لك، فلا تتعامل معه كآكل الربا، ولا تحمّل عليه فائدة". (سفر "الخروج"، الآية: 25).
"ولا تأخذ من أخيك ربا وفائدة، واخشَ ربك، ليعيش أخوك معك. لا تقرض مالك بالربا، ولا تعطه طعامك بالفائدة". (سفر "الأديان"، الآية: 25).
"لا تعامل أخاك معاملة الفائدة، ولا معاملة الفضة، ولا معاملة الطعام، ولا معاملة أي شيء فيه فائدة". (سفر "مثنى": الفصل: 23، الفقرة: 19).
ونقرأ في الإنجيل: "وإذا أقرضت فما هو فضلك إذا كنت تأمل استعادة دينك منه، بل أحسن الى أعدائك بالمحبة، وأقرض دون أن تأمل استعادته، عند ذلك يكون أجرك عظيماً". (إنجيل "لوقا"، الباب السادس، الآية: 34-35).
(18) شُرّع تحريم الربا في القرآن المجيد بشكل تدريجي، ولكن في الوقت نفسه بلهجة شديدة وتأكيد خاص. وهذا هو الأسلوب الأساسي والمؤثر الذي يتبعه حالياً المشرّعون، لأنه عندما لا تكون الأذهان والمشاعر العامة للمجتمع مستعدة لقبول قانون معيّن، فإنّ هذا القانون سيواجه عند التطبيق والتنفيذ مشكلات وعراقيل كثيرة.
وقد حرّم القرآن المجيد الربا في أربع مراحل مختلفة هي:
أ) في الآية 39 من سورة الروم ورد الحديث عن الربا بصورة نصيحة أخلاقية، وقد عبّر عنه بأسلوب مؤثر جداً، عبر الإشارة الى أنّ "أكل الربا" ليس عملاً مرضياً ومقبولاً عند الله، يقول تعالى: ﴿وما آتيتم من رباً ليربُو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المفلحون﴾.
فالذين يعانون من قصر النظر هم وحدهم الذين يعتقدون أنّ ثروة آكل الربا تزداد عن طريق الربا. وأما عند الله، ومن الناحية المعنوية، فلا يحصل آكل الربا على شيء.
ب) في المرحلة الثانية ذُكر الربا في سياق انتقاد العادات والتقاليد المقيتة لليهود، مشيراً الى أكلهم الربا بالذم الشديد: ﴿وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً﴾ (النساء، الآية: 161).
ج) تحريم أكل الربا بشكل نهائي في الآية 130 من سورة "آل عمران"، يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾.
ولكن هذا التحريم كان يعني نوعاً خاصاً من الربا، ذلك هو "الربا الفاحش".
د) في المرحلة الرابعة حُرّم – بصورة قطعية – جميع أنواع الربا، وذلك بالأمر الإلهي الذي ورد في الآيتين 278-279 من سورة "البقرة" واللتين أشير إليهما في المتن ضمن أدلة تحريم الربا. وأصبحت "حرمة الربا" ضمن قوانين الإسلام العالمية الخالدة.
(19) من المفيد أن نطلع القراء الكرام هنا على عدد من الروايات:
- "مَن أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وما اكتسب منه مالاً لم يقبل الله منه شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده منه قيراط" (الوسائل، ج: 12، ص: 427).
- "إنما حرّم الله الربا لكيلا يمتنعوا عن صنائع المعروف" (الوسائل، ج: 12، ص: 525).
- "لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه" (الوسائل، ج: 12، ص: 424).
- ".. فحرّم الله الربا على العباد بعلّة فساد الأموال" (الوسائل، ج: 12).
- "إنّ القوم سيفتنون بعدي بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهداية والربا بالبيع" (نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ص: 148).
(20) لو عقد اتفاق بين العامل وصاحب رأس المال على أساس تعاون عنصري (رأس المال والعمل) يصح هذا الإتفاق والعمل المشترك في الاقتصاد الإسلامي، وتوزع الثروة الناتجة بين صاحب رأس المال والعامل بالنسبة التي تم الإتفاق عليها. وقد أُطلق على هذا النوع من الشركة في الفقه الإسلامي "المزارعة" إذا كانت بشأن الأراضي الزراعية، و"المساقاة" إذا كانت بشأن الغرس والسقي ورعاية الأشجار، و"المضاربة" إذا كانت بشأن التجارة ("جواهر الكلام"، كتاب الغصب، الطبعة القديمة، ص: 458 و486).
(21) "... إن كان ربحاً فهو بينهما" (الوسائل، ج13، "كتاب الشركة" الصفحة 176، الحديث 3).
(22) ".. إن ربح فله، وإن وضع فعليه.. له الربح وعليه الوضيعة.. فلك نصف الربح، وإن كان وضيعة فليس عليك شيء" (الوسائل، ج: 13، كتاب الشركة، ص: 174، الأحاديث: 1-5-6-7-8).
(23) ".. له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء، إلاّ أن يخالف عن شيء مما أمر صاحب المال.. يضمن المال والربح بينهما.. في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال: هو ضامن والربح بينهما" (الوسائل، كتاب المضاربة، ص: 183-184، الأحاديث: 1-3-5).
(24) في باب: "إنّ صاحب المال إذا ضمن العامل فليس له إلاّ رأس ماله". هكذا تقول رواية محمد بن قيس حسب نقل "وسائل الشيعة" في كتاب المضاربة: ".. عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (ع) (في حديث): أنّ علياً (ع) قال: مَن ضمن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله، وليس له من الربح شيء".
(25) ".. الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثاً، وللبقر ثلثاً، قال: لا ينبغي أن يسمي شيئاً فإنما يحرم الكلام.
.. في الرجل يزارع فيزرع أرضه غيره، فيقول: ثلث للبقر، وثلث للبذر، وثلث للأرض. قال: لا يسمي شيئاً من الحب والبقر، ولكن يقول: إزرع فيها كذا وكذا، إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثاً" (الوسائل، كتاب المزارعة والمساقاة، ص: 200، ج: 4و5).
(26) أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه قال: سئل أبو جعفر (ع) عن رجل أخذ مالاً مضاربة أيحلّ له أن يعينه غيره بأقل مما أخذ؟ قال: لا. (الوسائل، كتاب المضاربة، ص: 191، باب: 14، الحديث: 1).
(27) يراجع الحديث الأول، كتاب الإجارة (الوسائل)، ص: 243، ج: 13.
(28) عرّف الفقهاء الإجارة بقولهم: "وهي تمليك عمل أو منفعة".. ويعني العمل نشاطاً بدنياً أو فكرياً، وتعني المنفعة عيناً كالبيت والدكان. وبعضهم عرّف الإجارة بهذه العبارة: "التسليط على عين للانتفاع بها بعوض".. أي يدفع المستأجر مبلغاً الى المؤجر إزاء عين ما "بيت أو دكان" ("العروة الوثقى"، كتاب الإجارة، ص: 559).
(29) المقصود هو أنّ العمالة في إطار الترتيب السداسي (الواجب – المستحب – الحلال – الحرام – المباح – المكروه) محكومة بالكراهة لا الحرمة. وبما أنّ كل مكروه جائز، لذلك تعتبر (العمالة) صحيحة. وقد وردت في كتاب (وسائل الشيعة) ثلاث روايات في باب كراهة العمالة، منها: ".. عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) قال: مَن أجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق".
(30) من وصايا الرسول الأكرم (ص) لعلي بن أبي طالب (ع): ".. ومَن منع أجيراً أجرته فعليه لعنة الله". وفي رواية أخرى قال: "مَن ظلم أجيراً أجرته أحبط الله عمله وحرّم الله عليه ريح الجنة" (الوسائل، ج: 13، ص: 247، الحديث: 1-2).
(31) كالرواية التي تؤكد دفع أجور العامل قبل أن يجفّ عرقه: "أعطِ الأجير حقه قبل أن يجفّ عرقه".
(32) "فصل: العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة فلا يضمن تلفها أو تعييبها إلاّ بالتعدي أو التفريط" ("العروة الوثقى"، كتاب الإجارة، ص: 573).
(33) كانت المعاملات تجري بين الأمم القديمة – بما فيهم الرومانيون – بأشكال وأطر معيّنة، أي أنّ المشرّع يضع لكل معاملة إطاراً ونظاماً معيّناً يجري التعامل على ضوئه. فعلى سبيل المثال، كان يتحتم على طرفي المعاملة حين إجراء المعاملة أو استلام القرض، أن يَحضرا أمام القاضي ومعهما خمسة شهود وميزان وسبيكة معدنية، ويؤديا ألفاظاً معيّنة على صيغة السؤال والجواب، بل كان يجب أن تتطابق هذه الألفاظ من حيث زمن الفعل، وكان التخلف عن واحدة من هذه المراسم التشريفاتية يؤدي الى بطلان المعاملة وعدم نفاذها. وتشير السبيكة المعدنية والميزان الى عصر لم يكن النقد المسكوك قد اختُرع بعد لدى الرومانيين، فكانوا يأخذون السبائك المعدنية الى الحاكم ويكيلونها هناك بدل قيمة المبيع، ثم تعطى الى المقترض .. ويرى الإسلام أنّ تكامل شخصية الإنسان يتوقف على حريته واستقلال إرادته واحترام شخصيته، وعلى القانون أن يمنع فقط التعارض بين الإرادات الحرة كي لا تترتب نتائج سيئة على هذه الحرية، ولا تقع المصلحة العامة ضحية الحرية والإرادة الفردية. غير أنّ بعض أنصار استقلال الإرادة أفرطوا في تصوراتهم معتقدين بعدم إمكانية التعهد بشيء دون إرادة الأفراد. كذلك فرّط معارضو استقلال الإرادة فأنكروا أن تكون إرادة الفرد مؤثرة ولو لمرة واحدة!!
والفقه الإسلامي أيّد (بدون إفراط أو تفريط) أصل حرية الإرادة تحت عناوين: "أصالة الإباحة" – "أصالة البراءة" – "أصالة الحظر".
وتقوم العقود في القانون الإسلامي على "التراضي"، أي أنها تتوقف على رضى الطرفين، وقد أصاب الفقهاء الذين اعتبروا "الألف واللام" في الآية الشريفة: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} "ألف لام" الجنس وليس العهد (يراجع كتاب = "ترمينولوجيا القانون" للدكتور محمد جعفر الجعفري، "القانون المدني الإيراني" للدكتور سيد علي شايغان، "أرضية القانون المقارن" لحسين نجوميان.
(34) فضلاً عن النتائج الإيجابية التي تترتب على العقيدة والأخلاق عند التطبيق على الصعيد الفردي والجماعي، فإنهما يمنحان سيرة الإنسان صبغة خاصة ويرفعان قيمة الأعمال الى مستوى الإرتباط بالله والإتصاف بالصفات الإلهية، وهذا بحد ذاته أحد الميزات النفيسة للمدرسة الدينية التي تميزها عن سائر المدارس. وبديهي أنّ الإرتباط بمبدأ الخير والرحمة يستطيع أن يرفع الإنسان ويفتح ذهنه على آفاق واسعة ينظر من خلالها الى العالم.
ويسعى الإسلام، من خلال زرع الإيمان والاعتقاد بحياة النعيم، والعودة الى الحياة الباقية والإنسانية، أن يفتح عين الإنسان على المستقبل ويعدّه لحياة أفضل وأشمل. ومن هذه الزاوية لا تمثل الحياة الطبيعية والمادية هدف الإنسان الأبدي، فالأرض هي مهد نمو الإنسان وتربية قواه الإنسانية، وهي سبيل المسافرين ومحل إقامتهم ليتزودوا فيها من مائدة النعم المادية والمعنوية كلٌ حسب قدرته وعمله للحياة الآخرة، فـ"الدنيا مزرعة الآخرة". وإنّ الشكر على هذه النعم يتمثل في أن يعرف الإنسان صاحب الدار ويطبق قوانينه، فينتج كل واحد ويتصرف برأسمال الطبيعة حسب تلك القوانين وحسب طاقته ويأخذ منها حسب حاجته وينفق بالعدل.
ومن خلال بعد النظر هذا، لا تستطيع الثروات المادية والإنتاج والتوزيع أن تغلق عقل الإنسان وفكره، بل تكون سبيلاً للعبور والسمو والعروج.
وفي ظل هذه النظرة الإيمانية السامية يحل "التعاون من أجل البقاء" الذي يعدّ من النزعات الفطرية للإنسان محل "الصراع من أجل البقاء" الذي يعدّ إرثاً حيوانياً، ولا يكون المال هدفاً بل يبقى وسيلة كما هو. غير أنّ تصور مثل هذا المجتمع القائم على أساس الإيمان والعواطف الإنسانية يكون صعباً لأولئك الذين فتحوا عيونهم في البيئة الاقتصادية لعصر التحولات الصناعية. ولذلك، نرى القيم الإنسانية والمتطلبات الواقعية الإنسانية قد نُسيت، وبات ينظر الى جميع شؤون الحياة من زاوية الاقتصاد والحرب والطبقية، وقد رفعوا من سلطة المال حتى جعل الإنسان آلة لا تملك الإرادة. وسجدوا أمام الآلة ووسائل الإنتاج!
ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا..﴾، ﴿وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو..﴾، ﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها..﴾، ﴿إعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة..﴾، ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً..﴾.
(35) اعترف الإسلام بثلاثة أنواع من العمل، هي: العمل اليدوي (البدني) كعمل الفلاحين والعمال وغيرهم، والعمل الفكري كالمعلمين والكتّاب وغيرهم، والعمل العاطفي والمعنوي كعمل الفنانين وأعمال من قبيل رعاية الأطفال والحضانة والتمريض. ويخضع كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة لإشراف وسيطرة النظام السداسي (الحرمة والوجوب و..). وتعتبر دراسة آراء الإسلام وتعاليمه في باب أنواع الأعمال وعلاقة العامل ورب العمل ضرورية لمعرفة قيمة العمل بمعناها الاقتصادي، إلاّ أنّ مثل هذه الدراسة خارج نطاق بحثنا، ونكتفي بالقول إنّ الإسلام وضع للعمل أسمى قيمة معتبراً إياه أحد العناصر الأساسية للملكية. وقد بلغ تقديس الإسلام للعمل والعامل مبلغاً لا يمكن أن نرى له مثيلاً في أي مذهب من المذاهب الاقتصادية المعاصرة، إذ يروى أنّ الرسول الأكرم (ص) رفع يد عامل كانت قد تورّمت من شدة العمل وقال: "هذه يد لا تمسها النار أبداً، هذه يد يحبها الله ورسوله. مَن أكل من كد يده نظر الله إليه بالرحمة". وقال (ع) أيضاً: "ما أكل امرؤ طعاماً خيراً من عمل يده، وإنّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". وذُكر للرسول الأكرم (ص) رجل كثير العبادة لا يعمل، فقال (ص): مَن يعيله؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه".
وجاء في سيرة رسول الإسلام الأعظم أنه كان كلما رأى إنساناً عاطلاً ليس له حرفة يلومه ويقول: "إنّ المؤمن إذا لم تكن له حرفة، يعيش بدينه".
وكان الإمام محمد الباقر (ع) يفلح أرضه، فمرّ به شخص وقح وقال له بأسلوب غير مؤدب: "لو جاءك الموت على هذه الحال فماذا تجيب ربك؟ فقال له الإمام: ".. لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله عز وجل".
وقال الإمام جعفر الصادق (ع) لأحد أصحابه، واسمه معاذ، كان قد ترك العمل: "هل تركت العمل لعجز؟ قال لا، فلدي مال كثير ولست مديناً لأحد، وتكفيني ثروتي لآخر عمري فلا أحتاج إذاً لأحد حتى أكد وأتعب وأعمل! فقال له الإمام: لا تتركها فإنّ تركها مذهبة للعقل".
وقال الإمام أيضاً لشخص طلب منه يوماً أن يدعو له: "لا أدعو لك، أُطلب كما أمرك الله عز وجل".
وإنّ ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أنّ الإسلام لم يكتفِ بمنع الإستغلال وحسب بل حرّم كل تعاون أو عمل مع المؤسسات والأشخاص الذين يعملون بشكل ما خلافاً لمصالح المجتمع الاقتصادية.
والإسلام لم يحرّم الأعمال الإدارية، بل فرض إشرافه وسيطرته الحازمة على نوع العمل وكيفيته. إنّ ماهية الحكومة، ونوعية العمل الحكومي هما اللذان يحددان جواز أو حرمة التعاون. فالعمل لحكومة غير مشروعة، وعدوانية، حرام تحت أي عنوان كان. إذ يروى عن النبي (ص) أنه قال: "مَن سار الى ظالم لعمل، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام".
وعن الإمام موسى بن جعفر (ع) (ما معناه): "لئن أُرمى من شاهق وأُقطّع إرباً إرباً خير لي من أن أعمل مع سلطان ظالم".
<< السابق التالي >>
المحور الأول: الاسلام والتفاوت الطبقي المحور الثالث: محاضرات وأبحاث في الاقتصاد
ابحث
   
إصدارات المركز الأخبار
خلاصة قضية إخفاء الإمام وأخويه في ليبيا
imamsadr.net

محطات مضيئة من مسيرة الإمام السيد موسى الصدر
imamsadr.net

كلمة بمناسبة شهر رمضان وانتقال السيدة العذراء
youtube.com

الموقع الرسمي لمؤسسات الإمام الصدر
www.imamsadrfoundation.org
مناسبات ونشاطات
كلمة الرئيس بري في مهرجان الإمام الصدر في صور      
لمقاطعة شاملة لأي اجتماعات دولية أو عربية وعلى أي مستوى تعقد في ليبيا 
والمطلوب من المجلس العدلي محاكمة سريعة ومتواصلة للقذافي وأعوانه
كلمة عائلة الإمام في ملتقى الإمام الصدر الثاني في صور
كلمة عائلة الإمام في ملتقى الإمام الصدر الثاني في صور
لقاء تضامني بمناسبة ذكرى تغييب الإمام الصدر وأخويه
مسابقة أجمل نص مسرحي عن الدور الرسالي للإمام الصدر
رؤية وواقع
مؤتمر كلمة سواء ال 11 الإنسان في رؤية الإمام الصدر
ندوة الامام موسى الصدر: انسان العقل والاخلاق، أنهت اعمالها بالتأكيد على متابعة قضية التغييب
منظمة اليونسكو في باريس تُخصص ندوة بعنوان
منظمة اليونسكو في باريس تُخصص ندوة بعنوان "موسى الصدر امام الحوار والانفتاح"
ARREST LIBYAN LEADER
Mu'ammar al-Qaddafi Today in New York
اقبضوا على الزعيم الليبي معمر القذافي اليوم في نيويورك
السيدة رباب الصدر: كل العرب مقصرين تجاه قضية الإمام الصدر
حسن يعقوب: الإمام موسى الصدر هو إمام العرب وإمام المقاومة
السيدة رباب الصدر: كل العرب مقصرين تجاه قضية الإمام الصدر حسن يعقوب: الإمام موسى الصدر هو إمام العرب وإمام المقاومة
History-making convention on Musa al-Sadr
مؤتمر في جامعة ميشيغن في آن آربر بمشاركة عدد كبير من المختصين: "الشيعة والحداثة وظاهرة الإمام موسى الصدر"
السيدة رباب الصدر في
معرض في قصر الاونيسكو في الذكرى ال 30 لتغييب الامام الصدر
رباب الصدر: حقنا في الامام الصدر سنبلغه مهما تكاثفت الظلمات
معرض (موسى الصدر: الإمام الرؤيوي) 27 عاماً بحثاً عن الحقيقة
من نحن | اتصل بنا | خريطة الموقع
جميع الحقوق محفوظة © 2006 - مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات
تصميم و تطوير شركة IDS