المؤلف: موسى الصدر
* تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات، (د.ت). الجزء الأول مفقود.
الجزء الثاني من حديثي في تفسير السورتين المباركتين سورة الفيل وسورة قريش.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ﴾ [الفيل]
﴿لإيلاف قريشٍ * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ﴾ [قريش]
صدق الله العظيم
السورتان متصلتان، ولهذا فقهاؤنا يقولون لا يجوز التفرد بقراءة سورة منهما في الصلاة، يعني أنت في صلاتك بإمكانك أن تقرأ سورة الحمد وسورة واحدة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص، 1] ﴿والعصر﴾ [العصر، 1] أي سورة من السور القصار، أو السور الطوال، بإمكانك أن تقرأ أي سورة كاملة، ولا يجوز أن تنقص سورة وأن تجزئ سورة فتقرأ الجزء. هذا حسب فتوانا.
يجوز قراءة كل سورة واحدة ولا يجوز القران قراءة أكثر من سورة واحدة في الصلاة في كل ركعة ما عدا سورتين ﴿والضحى﴾ [الضحى، 1] و﴿ألم نشرح﴾ [الشرح، 1] تعتبران سورة واحدة، ما عدا سورتا الفيل وقريش فإنهما تعتبران سورة واحدة ويجوز قراءتهما ولا يجوز التفرد بهما في صلاتنا. فإذًا، هذا المبدأ يؤكد ما يقوله المفسرون من أن السورتين، سورة واحدة، مرتبطتان وحتى كلمة "لإيلاف" الجار والمجرور متعلقة بالسورة السابقة. فلنبدأ بدراسة تفسير هاتين السورتين.
﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ * وأرسل عليهم طيرًا أبابيل * ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ * فجعلهم كعصفٍ مأكول﴾
قصة أصحاب الفيل قصة معروفة ملخصها، ومع ترك الزوائد، أن في الجزيرة وفي اليمن بالذات، كان حاكم طاغية مقتدر يسمى "أبرهة بن الصباح بن الأكرم" أو "الأشرم"، هذا الرجل كان وكيلًا وأميرًا على اليمن من قبل "النجاشي" امبراطور الحبشة. وفي هذا الوقت كانت الحبشة تحتل اليمن ولعلكم إذا لاحظتم الخريطة تجدون أن الحبشة تقع في الجانب الغربي من البحر الأحمر. واليمن، وقسم من الحجاز في الجانب الشرقي من البحر الأحمر؛ ولهذا كان هناك خلاف تاريخي بين الحبشة وبين هذه المنطقة من الجزيرة، والخلاف استمر بعد ذلك وهاجرت الجماعة من أصحاب رسول الله إلى الحبشة أيضًا مثل "جعفر" وغيره كما تعلمون. كان ملك الحبشة قد احتل اليمن في تلك الأوقات ووضع هناك أميرًا باسم "أبرهة" وهناك قصص كثيرة على أنه كان له أميران أحدهما تغلب على الآخر فغضب الملك فأرضاه الأمير، قصص خارجة عن بحثنا، ولا تستند إلى أدلة ومواثيق تاريخية، أو على الأقل أنا لا أعرف مواثيق تاريخية حول هذا الموضوع.
"أبرهة" كان حاكم اليمن، وكان رجلًا نشيطًا يريد أن يجعل من اليمن بلدًا مزدهرًا، ففكر في طريق اجتذاب السائحين والزوار؛ ولاحظ أن الكعبة هي مزار العرب، ومحجة للعرب، وتسكن فيها جماعة غنية ويزور الكعبة آلاف أو مئات الألوف من الناس في كل سنة، وهذا مما يوجب ازدهار مكة وزيادة النعمة فيها. ففكر في أن يخلق شيئًا مشابهًا لجلب الزوار والحجاج، وإبعادهم عن الكعبة وتوجيههم إلى كعبته ومحجته التي بناها في اليمن. فبنى بيتًا ومعبدًا ضخمًا جدًا أفخم من الكعبة بكثير. ولا عجب أنكم تعرفون أن الكعبة لا فخامة لها أصلًا فهي بيت مبني من الصخور السوداء، والفخامة فيها الفخامة الإلهية. فبنى بيتًا فخمًا ومعبدًا كبيرًا ثم بعث الناس والرسل ودعاة السياحة على حد تعبير العصر، لكي يجلب السائحين والزوار والحجاج إلى محجته.
ما نجح في ذلك لأن العرب كانوا يعتبرون أن الكعبة من بناء "إبراهيم"، و"إبراهيم" هو جدهم، فكانوا يعتزون بهذا البيت العتيق، وكانوا يؤمنون به إيمانًا كبيرًا. فما توفق في صرف نظر العرب عن زيارة الكعبة، فحقد على الكعبة وأراد هدم الكعبة فأرسل وجهز جيشًا كبيرًا مجهزًا بالفيل وخرج لكي يهدم الكعبة. وفي طريقه اصطدم مع جماعة من القبائل العربية التي حاربته وانهزمت أمام قوة جيشه، ثم وصل إلى قرب مكة.
التاريخ يقول أنهم كانوا يشنون الغارات وينهبون الأموال التي كانوا يجدونها في طريقهم، وفي الجملة نهبوا قطيع إبل لـ"عبد المطلب" سيد مكة مشتمل على مئتي جمل؛ حينما وصل قرب مكة يقال أنه ندم على هذه النية أو شعر بشيء من التخوف فكان يتمنى أن يجد وسيطاً لكي يرجع عن هذه النية ولا يقوم بهدم الكعبة. في هذه الأثناء دخل عليه "عبد المطلب"، وهو رجل جميل له مهابة وله شأن، وجلالته واضحة. احترم "عبد المطلب" وأجلسه معه على سرير واحد ثم طلب منه مطلبه، فقال أن أنصارك قد نهبوا إبلي فالرجاء إعادة الإبل إليّ. فأمر برد الإبل إليه وشعر بالاحتقار أمام هذا الرجل الجليل، وقال له: إني كنت أظن أنك تتوسط لبيتكم الذي هو شرفكم وكرامتكم ومعبدكم، ولكنك طلبت إعادة الإبل. قال "عبد المطلب"، وهذا يدل على قوة إيمانه وشعوره العام، إنني رب الإبل، وللبيت رب يحميه. فعزم "أبرهة" على هدم الكعبة.
فهنا حصلت واقعتان: الواقعة الأولى أن الفيل أو الأفيال امتنعت من دخول الحرم، موجود هذا في "الآثار". والحادثة الثانية أنهم بطريقة غير مألوفة أصيبوا بالهزيمة النكراء، وقُتِلُوا عن بكرة أبيهم ورجعوا مهزومين مكسورين، وما توفقوا لأداء مهمتهم والوصول إلى غايتهم، أما كيف قُتِلُوا؟ يقول القرآن الكريم: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ وأرسل عليهم طيرًا أبابيل﴾، يعني متفرقة فرقة بعد فرقة، كتلة بعد كتلة، فالطيور كانت تأتي من كل جانب قطيعًا وراء قطيع، ﴿ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ﴾ هذه الطيور كانت ترمي جيش "أبرهة" وأصحاب الفيل ﴿بحجارةٍ من سجيل﴾. سجيل حسب التفسير اللغوي كلمة مؤلفة من كلمتين فارسيتين هما ﺴﻨﮓ وكِل، "ﺴﻨﮓ" تعني الحجارة و ﮔل تعني الطين، (ﻔﺴﻨﮓ ﮔل) تحولت في اللغة العربية واستعربت فصارت "سجيل" والسجيل حسب تفسير كتب اللغة حجارة مطلية بالطين، فهذه الطيور ضربت ورمت على جيش "أبرهة" من الحجارة المطلية بالطين، ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾، يعني جعلهم الله نتيجةً لرمي الحجارة مثل العصف، التبن، ورق الحب، قشر الحب المأكول يعني قشرة من دون حبة، قشرة ممزقة، فتمزق هؤلاء وتفتتوا تحت هذه الأحجار وماتوا. هذا هو النص القرآني لهذا الأمر.
قبل أن ندخل في رأي المفسرين في معنى هذه الآيات أحب أن أذكر نقطة واحدة وهي أن القرآن الكريم كما تعلمون كان يتحدى شعور العرب، وكثيرون من العرب ما كانوا مؤمنين بالقرآن الكريم، وكانوا يتربصون بالقرآن لكي يأخذوا على القرآن مأخذًا يردون به على القرآن، وهذا شيء طبيعي كما يظهر من مواقفهم، والآيات القرآنية التي تتحداهم بأنكم لا تتمكنون بأن تأتوا بالقرآن أو بعشر سور أو بسورة من مثله، وهكذا كانوا يفتشون عن طريقة للرد على القرآن. وهنا نصل إلى نقطة أساسية، لو كان في القرآن أو في بعض آيات القرآن أقل نقطة ضعف كانوا يتخذونها حجة ويردونها.
هذه الآيات مكية، ووردت في مكة، وقرأها رسول الله (ص) على ملأ من العرب، فاستمعوا كلهم؛ فقال وشرح الواقعة بالشكل الظاهر الذي سمعتم: ﴿ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ * فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ﴾ أخبر ذلك وكان بين نزول السورة وبين وقوع الواقعة ما لا يتجاوز خمسة وأربعين سنة فقط، لأن النبي (ص) ولد في عام الفيل. فبين للمستمعين لهذه السورة -كان الكثيرون من العرب، أكثر من نصف المستمعين- كانوا معاصرين سنة واقعة الفيل، يعني ما كانوا شبابًا أو صغارًا حتى يكونوا غير مشاهدين للواقعة. أكثرهم عاشوا واقعة الفيل وحادث الفيل، فلو ما كان الأمر من الوضوح، طبيعي كانوا ليكذبوا قول الرسول، ويقولون أنت غير مطلع أو أنت تغلط أو لا سمح الله تكذب، فالواقعة ما كانت بالشكل الذي أنت ترويه، فاستمعوا إلى النص وسكتوا وهم كانوا يفتشون عن وسيلة للرد على قول الرسول وما ردوا.
هذا يدل على أن الواقعة كانت واضحة بالشكل الوارد في القرآن عند العرب. ثم أن واقعة الفيل من الأهمية والعظمة كانت بمثابة جعلوها مبدأ سَنَتِهم، فكانوا يقولون فلان ولد في عام الفيل أو قبل العام بسنتين أو بعد العام بخمس سنوات أو عشرين سنة وأمثال ذلك. فكانوا يؤرخون بعام الفيل، فكانوا يعرفون عام الفيل واستمعوا سورة الواقعة، وسكتوا وخضعوا وما كذبوا، وهذا أقوى دليل على أن واقعة الفيل حصلت كما ينقلها القرآن حرفيًا وبالشكل الظاهر؛ يعني كان هناك أفيال، وكان هناك ﴿حجارة من سجيل﴾، وكان هناك هزيمة وكان هناك جعلهم ﴿كعصف مأكول﴾.
أما معنى هذه الجمل حسب رأي المفسرين، لعلكم تعرفون أن في التفسير الإسلامي مدرستين، المدرسة الأولى المدرسة التي تعتمد على الغيبيات والمعجزات والأساليب الخارقة للعادة أكثر من المتعارف. لا شك أن القرآن الكريم صريح في بعض الأماكن بوقوع المعجزات للأنبياء، الحوادث الكثيرة ينقلها القرآن الكريم ولكن إلى حد. فكانت المدرسة القديمة تعتمد على الغيبيات والمعجزات أكثر من اللزوم فتفسر كل شيء بالشكل الغيبي، ثم أحدثت هذه المدرسة ردة فعل فوُجِدَتْ المدرسة العقلانية في التفسير يرأسها أو يبرز في هذه المدرسة الشيخ "محمد عبده" وتلامذته الذين يحاولون أن يفسروا الآيات القرآنية والأعاجيب قدر المستطاع بالصورة المنطقية العقلانية. فهؤلاء الغيبيون الذين كانوا يعتمدون المدرسة الغيبية ينقلون أشياء غريبة في قضية واقعة الفيل أنها طيور رأسها كرأس السباع ولها خرطوم كخرطوم الفيل، وفي يد كل واحدة منها ثلاثة أحجار، ورمت وأبقت واحدًا ثم طار الطير فوق رأسه حتى وصل إلى الملك وبعدما نقل الخبر ضربه فمات أو قطع جسد هذا الشخص إربًا إربًا أو كانت تنزل الحجارة على رأس الرجل وتخرج من دبره وأمثال ذلك كثير.
"محمد عبده" يريد أن يعطي طابعًا علميًا لهذه الواقعة ويريد أن يفسر بأن الطير هو ما يطير، وقد يكون الطير مثل الطيور المعروفة، وقد يكون الطير مثل الجراثيم التي تطير في السماء. ولعل في هذه الواقعة بالذات ظهر نوع من الوباء، فأدى إلى هلاك الجماعة وتفتت أعضائها، فأدى إلى موتها جميعًا، والوباء معروف يأتي ويروح. ويستندون في ذلك إلى بعض الروايات الواردة التي تقول أن في عام الفيل ظهر لأول مرة في تاريخ الجزيرة وباء الجدري. فكان الجيش يُبتلى في تغير ألوان بالجسد، وتجدر أجسادهم، ثم يموتون نتيجة لهذا الوباء، هذا رأي "محمد عبده".
ولكن حسب ما قلت في أول الكلام الطير مفهوم واضح عند العرب، فلو كان موت جيش "أبرهة" لا عن طريق وجود طيور مشهودة ورمي حجارات مشهودة لما كانوا يصدقون ما يقول لأنهم ما كانوا يعرفون الجراثيم إلا في الأيام الأخيرة، أيام "باستور"، فهؤلاء لو كانوا شاهدوا الوباء والنبي يقول: ﴿وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل﴾، كانوا يقولون يا "محمد" هذا غير صحيح. فهذا ينافي هذا التفسير، وبصورة أساسية نحن لا يجوز لنا أن نكون غيبيين خرافيين أكثر من نصوص القرآن، ولا أن نكون منطقيين عقلانيين أكثر من نصوص القرآن. لا إفراط ولا تفريط، نحن نقول أن القرآن الكريم يشهد بثبوت المعجزات، المسيح تكلم في المهد، والطفل لا يتكلم في المهد، فهذه معجزة: ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا * وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا﴾ [مريم، 30-31] إلى آخر السورة، هذا كلام المسيح وهو في المهد.
هذا نستطيع أن نفسره، هذا على الطريقة المنطقية العقلانية؟ لا يمكن. أو إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لا يمكن تفسيره بالصورة العلمية أبدًا. فإذًا، قضية المعجزة وحدوث الخوارق أمر مفروغ منه في القرآن. أو قضايا كثيرة، كقضية "إبراهيم" ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيًا﴾ [البقرة، 260]، أو قضية عصا "موسى" أو قضية ناقة "صالح" وكل هذه القضايا الموجودة في القرآن غيبيات معجزات. ونحن نؤمن بالمعجزات إيماننا بالصراط وإيماننا بالقرآن وإيماننا بالأنبياء. ثم لا تتنافى المعجزات مع المبادئ العلمية أبدًا، لأن العلم الحديث يستند على التجربة، والتجربة هي مراجعة النظائر والأمثال، بعد التجربة يأتي دور القانون، والقانون العلمي مثلًا يقول كل شيء يتمدد بالحرارة، وهذا ينطبق على كل شيء، ولكن العلم الحديث يقول الحالات الشاذة في الأمور لا تتنافى مع القوانين، يعني يقول: يمكن للحديد أو كل شيء في مليون حالة يتمدد إذا ما تمدد في حالة واحدة شاذة فهذه الحالة لا تنال من قيمة القانون ولا تمنع من وجود قانون علمي. هذا الرأي رأي مطول لا إحاطة لي بجميعه ولكني قارئ بعض الشيء عنه.
يقولون أن في جميع القوانين الكونية الثابتة العلمية هناك حالات شاذة والعلم لا يعرف سبب شذوذ الحالات في حالة من ملايين من الحالات. فالمعجزة لو افترضناها أنها خارقة للقوانين الطبيعية، يعني خارقة للقوانين الجارية، فلنعتبر المعجزات من الحالات الشاذة التي تتفق في الكون، والتي لا يتمكن العلم من التنكر لها، وإنما لا يتمكن من تفسيرها. فالمعجزة لا تتنافى أيضًا مع الرأي العلمي، وإنما طبعًا لا يعترف بالمعجزة إلا إذا تأكد وثبت من وقوعها. فنحن لا يجوز أن نكون مفرطين ولا مفرِّطين في المسائل الغيبية... نتنكر لها كلها.
كان لنا صديق في "صور" قبل ثلاث سنوات، فكان يكتب بحثًا مسهبًا، وفي خلاله كان يحاول أن يفسر جميع الآيات المعجزة في القرآن تفسيرًا علميًا حسب مقاييس عصرنا، والحقيقة أن هذا نظرة غير صحيحة، لأن العلم حينما نقول يعني مدى ما وصل إليه البشر في هذا العصر، نحن لا نتمكن أن نحدد جميع الكائنات في إطار العلم الموجود الذي هو من صنع البشر. ولعل الإنسان في المستقبل يطلع على أشياء وأشياء لا يطلع عليها في هذا الوقت. فالمنافي للعلم، أو ما يتنافى مع العلم، أو منافٍ للعقل، أو لا يتنافى مع العقل هذه كلمات محدودة، عقل يعني ما وصل إليه فكر البشر وإدراك البشر في هذا الوقت. العلم يعني ما وصل اليه إدراك البشر وتجارب البشر، كيف نقدر أن نحدد كل الموجودات؟ إذًا، إدراكاتنا ضيقة. لا يجوز لنا أن نَفْرط ولا أن نُفرّط في تفسير المعجزات.
فلنرجع إلى صريح الآية التي تقول: ﴿ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ * وأرسل عليهم طيرًا أبابيل﴾، بالفعل طيور تدفقت فرقة بعد فرقة جاءت ورمتهم ﴿بحجارة من سجيل﴾ و﴿جعلهم كعصف مأكول﴾. نتيجة لهذه الصخور الصغار التي يتحمل الطير حملها، ضَرَبَها ولا شك أن هذه الضربات الكثيرة تتمكن من القضاء على البشر. أنتم تعرفون حملة الجراد، الجراد حشرة صغيرة، ولكن حينما يهجم بالملايين يأكل الأخضر واليابس، ويقضي على البشر، ويقضي على الحيوانات، ويقضي على النباتات كلها. فالكثرة تعوض عن الضعف بالطير أو بالحجارة، فعددها كان كثيرًا، فضربت فنزل على هذه الجماعة وابل من الحجارة ومن السجيل فقتلها. ثم يمكن أن نقول أنه نتيجةً للضربات على الفيل ثار الفيل أيضًا والفيل هجم عليهم وحطمهم تحطيمًا، القرآن لا ينكر ذلك ويقول أنه نتيجةً لضرب الحجارة حصلت هناك حالة العصف المأكول، ماتت الجماعة... ورجعت. وعزز الله بيته وأصبحت قريش معظمة مكرمة بين العرب بالرغم من وثنيتهم وطغيانهم وانحرافهم عن الله، وذلك لأمر كان الله مقدره في المستقبل.
فإذًا، هذه القطعة من الآية نفهمها كما هي واردة في صريح القرآن، بقي أمامنا الجزء الثاني أو السورة الثانية، وهي سورة قريش.
والسلام عليكم.
الجزء الثاني من حديثي في تفسير السورتين المباركتين سورة الفيل وسورة قريش.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ﴾ [الفيل]
﴿لإيلاف قريشٍ * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ﴾ [قريش]
صدق الله العظيم
السورتان متصلتان، ولهذا فقهاؤنا يقولون لا يجوز التفرد بقراءة سورة منهما في الصلاة، يعني أنت في صلاتك بإمكانك أن تقرأ سورة الحمد وسورة واحدة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص، 1] ﴿والعصر﴾ [العصر، 1] أي سورة من السور القصار، أو السور الطوال، بإمكانك أن تقرأ أي سورة كاملة، ولا يجوز أن تنقص سورة وأن تجزئ سورة فتقرأ الجزء. هذا حسب فتوانا.
يجوز قراءة كل سورة واحدة ولا يجوز القران قراءة أكثر من سورة واحدة في الصلاة في كل ركعة ما عدا سورتين ﴿والضحى﴾ [الضحى، 1] و﴿ألم نشرح﴾ [الشرح، 1] تعتبران سورة واحدة، ما عدا سورتا الفيل وقريش فإنهما تعتبران سورة واحدة ويجوز قراءتهما ولا يجوز التفرد بهما في صلاتنا. فإذًا، هذا المبدأ يؤكد ما يقوله المفسرون من أن السورتين، سورة واحدة، مرتبطتان وحتى كلمة "لإيلاف" الجار والمجرور متعلقة بالسورة السابقة. فلنبدأ بدراسة تفسير هاتين السورتين.
﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ * وأرسل عليهم طيرًا أبابيل * ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ * فجعلهم كعصفٍ مأكول﴾
قصة أصحاب الفيل قصة معروفة ملخصها، ومع ترك الزوائد، أن في الجزيرة وفي اليمن بالذات، كان حاكم طاغية مقتدر يسمى "أبرهة بن الصباح بن الأكرم" أو "الأشرم"، هذا الرجل كان وكيلًا وأميرًا على اليمن من قبل "النجاشي" امبراطور الحبشة. وفي هذا الوقت كانت الحبشة تحتل اليمن ولعلكم إذا لاحظتم الخريطة تجدون أن الحبشة تقع في الجانب الغربي من البحر الأحمر. واليمن، وقسم من الحجاز في الجانب الشرقي من البحر الأحمر؛ ولهذا كان هناك خلاف تاريخي بين الحبشة وبين هذه المنطقة من الجزيرة، والخلاف استمر بعد ذلك وهاجرت الجماعة من أصحاب رسول الله إلى الحبشة أيضًا مثل "جعفر" وغيره كما تعلمون. كان ملك الحبشة قد احتل اليمن في تلك الأوقات ووضع هناك أميرًا باسم "أبرهة" وهناك قصص كثيرة على أنه كان له أميران أحدهما تغلب على الآخر فغضب الملك فأرضاه الأمير، قصص خارجة عن بحثنا، ولا تستند إلى أدلة ومواثيق تاريخية، أو على الأقل أنا لا أعرف مواثيق تاريخية حول هذا الموضوع.
"أبرهة" كان حاكم اليمن، وكان رجلًا نشيطًا يريد أن يجعل من اليمن بلدًا مزدهرًا، ففكر في طريق اجتذاب السائحين والزوار؛ ولاحظ أن الكعبة هي مزار العرب، ومحجة للعرب، وتسكن فيها جماعة غنية ويزور الكعبة آلاف أو مئات الألوف من الناس في كل سنة، وهذا مما يوجب ازدهار مكة وزيادة النعمة فيها. ففكر في أن يخلق شيئًا مشابهًا لجلب الزوار والحجاج، وإبعادهم عن الكعبة وتوجيههم إلى كعبته ومحجته التي بناها في اليمن. فبنى بيتًا ومعبدًا ضخمًا جدًا أفخم من الكعبة بكثير. ولا عجب أنكم تعرفون أن الكعبة لا فخامة لها أصلًا فهي بيت مبني من الصخور السوداء، والفخامة فيها الفخامة الإلهية. فبنى بيتًا فخمًا ومعبدًا كبيرًا ثم بعث الناس والرسل ودعاة السياحة على حد تعبير العصر، لكي يجلب السائحين والزوار والحجاج إلى محجته.
ما نجح في ذلك لأن العرب كانوا يعتبرون أن الكعبة من بناء "إبراهيم"، و"إبراهيم" هو جدهم، فكانوا يعتزون بهذا البيت العتيق، وكانوا يؤمنون به إيمانًا كبيرًا. فما توفق في صرف نظر العرب عن زيارة الكعبة، فحقد على الكعبة وأراد هدم الكعبة فأرسل وجهز جيشًا كبيرًا مجهزًا بالفيل وخرج لكي يهدم الكعبة. وفي طريقه اصطدم مع جماعة من القبائل العربية التي حاربته وانهزمت أمام قوة جيشه، ثم وصل إلى قرب مكة.
التاريخ يقول أنهم كانوا يشنون الغارات وينهبون الأموال التي كانوا يجدونها في طريقهم، وفي الجملة نهبوا قطيع إبل لـ"عبد المطلب" سيد مكة مشتمل على مئتي جمل؛ حينما وصل قرب مكة يقال أنه ندم على هذه النية أو شعر بشيء من التخوف فكان يتمنى أن يجد وسيطاً لكي يرجع عن هذه النية ولا يقوم بهدم الكعبة. في هذه الأثناء دخل عليه "عبد المطلب"، وهو رجل جميل له مهابة وله شأن، وجلالته واضحة. احترم "عبد المطلب" وأجلسه معه على سرير واحد ثم طلب منه مطلبه، فقال أن أنصارك قد نهبوا إبلي فالرجاء إعادة الإبل إليّ. فأمر برد الإبل إليه وشعر بالاحتقار أمام هذا الرجل الجليل، وقال له: إني كنت أظن أنك تتوسط لبيتكم الذي هو شرفكم وكرامتكم ومعبدكم، ولكنك طلبت إعادة الإبل. قال "عبد المطلب"، وهذا يدل على قوة إيمانه وشعوره العام، إنني رب الإبل، وللبيت رب يحميه. فعزم "أبرهة" على هدم الكعبة.
فهنا حصلت واقعتان: الواقعة الأولى أن الفيل أو الأفيال امتنعت من دخول الحرم، موجود هذا في "الآثار". والحادثة الثانية أنهم بطريقة غير مألوفة أصيبوا بالهزيمة النكراء، وقُتِلُوا عن بكرة أبيهم ورجعوا مهزومين مكسورين، وما توفقوا لأداء مهمتهم والوصول إلى غايتهم، أما كيف قُتِلُوا؟ يقول القرآن الكريم: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ وأرسل عليهم طيرًا أبابيل﴾، يعني متفرقة فرقة بعد فرقة، كتلة بعد كتلة، فالطيور كانت تأتي من كل جانب قطيعًا وراء قطيع، ﴿ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ﴾ هذه الطيور كانت ترمي جيش "أبرهة" وأصحاب الفيل ﴿بحجارةٍ من سجيل﴾. سجيل حسب التفسير اللغوي كلمة مؤلفة من كلمتين فارسيتين هما ﺴﻨﮓ وكِل، "ﺴﻨﮓ" تعني الحجارة و ﮔل تعني الطين، (ﻔﺴﻨﮓ ﮔل) تحولت في اللغة العربية واستعربت فصارت "سجيل" والسجيل حسب تفسير كتب اللغة حجارة مطلية بالطين، فهذه الطيور ضربت ورمت على جيش "أبرهة" من الحجارة المطلية بالطين، ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾، يعني جعلهم الله نتيجةً لرمي الحجارة مثل العصف، التبن، ورق الحب، قشر الحب المأكول يعني قشرة من دون حبة، قشرة ممزقة، فتمزق هؤلاء وتفتتوا تحت هذه الأحجار وماتوا. هذا هو النص القرآني لهذا الأمر.
قبل أن ندخل في رأي المفسرين في معنى هذه الآيات أحب أن أذكر نقطة واحدة وهي أن القرآن الكريم كما تعلمون كان يتحدى شعور العرب، وكثيرون من العرب ما كانوا مؤمنين بالقرآن الكريم، وكانوا يتربصون بالقرآن لكي يأخذوا على القرآن مأخذًا يردون به على القرآن، وهذا شيء طبيعي كما يظهر من مواقفهم، والآيات القرآنية التي تتحداهم بأنكم لا تتمكنون بأن تأتوا بالقرآن أو بعشر سور أو بسورة من مثله، وهكذا كانوا يفتشون عن طريقة للرد على القرآن. وهنا نصل إلى نقطة أساسية، لو كان في القرآن أو في بعض آيات القرآن أقل نقطة ضعف كانوا يتخذونها حجة ويردونها.
هذه الآيات مكية، ووردت في مكة، وقرأها رسول الله (ص) على ملأ من العرب، فاستمعوا كلهم؛ فقال وشرح الواقعة بالشكل الظاهر الذي سمعتم: ﴿ترميهم بحجارةٍ من سجيلٍ * فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ﴾ أخبر ذلك وكان بين نزول السورة وبين وقوع الواقعة ما لا يتجاوز خمسة وأربعين سنة فقط، لأن النبي (ص) ولد في عام الفيل. فبين للمستمعين لهذه السورة -كان الكثيرون من العرب، أكثر من نصف المستمعين- كانوا معاصرين سنة واقعة الفيل، يعني ما كانوا شبابًا أو صغارًا حتى يكونوا غير مشاهدين للواقعة. أكثرهم عاشوا واقعة الفيل وحادث الفيل، فلو ما كان الأمر من الوضوح، طبيعي كانوا ليكذبوا قول الرسول، ويقولون أنت غير مطلع أو أنت تغلط أو لا سمح الله تكذب، فالواقعة ما كانت بالشكل الذي أنت ترويه، فاستمعوا إلى النص وسكتوا وهم كانوا يفتشون عن وسيلة للرد على قول الرسول وما ردوا.
هذا يدل على أن الواقعة كانت واضحة بالشكل الوارد في القرآن عند العرب. ثم أن واقعة الفيل من الأهمية والعظمة كانت بمثابة جعلوها مبدأ سَنَتِهم، فكانوا يقولون فلان ولد في عام الفيل أو قبل العام بسنتين أو بعد العام بخمس سنوات أو عشرين سنة وأمثال ذلك. فكانوا يؤرخون بعام الفيل، فكانوا يعرفون عام الفيل واستمعوا سورة الواقعة، وسكتوا وخضعوا وما كذبوا، وهذا أقوى دليل على أن واقعة الفيل حصلت كما ينقلها القرآن حرفيًا وبالشكل الظاهر؛ يعني كان هناك أفيال، وكان هناك ﴿حجارة من سجيل﴾، وكان هناك هزيمة وكان هناك جعلهم ﴿كعصف مأكول﴾.
أما معنى هذه الجمل حسب رأي المفسرين، لعلكم تعرفون أن في التفسير الإسلامي مدرستين، المدرسة الأولى المدرسة التي تعتمد على الغيبيات والمعجزات والأساليب الخارقة للعادة أكثر من المتعارف. لا شك أن القرآن الكريم صريح في بعض الأماكن بوقوع المعجزات للأنبياء، الحوادث الكثيرة ينقلها القرآن الكريم ولكن إلى حد. فكانت المدرسة القديمة تعتمد على الغيبيات والمعجزات أكثر من اللزوم فتفسر كل شيء بالشكل الغيبي، ثم أحدثت هذه المدرسة ردة فعل فوُجِدَتْ المدرسة العقلانية في التفسير يرأسها أو يبرز في هذه المدرسة الشيخ "محمد عبده" وتلامذته الذين يحاولون أن يفسروا الآيات القرآنية والأعاجيب قدر المستطاع بالصورة المنطقية العقلانية. فهؤلاء الغيبيون الذين كانوا يعتمدون المدرسة الغيبية ينقلون أشياء غريبة في قضية واقعة الفيل أنها طيور رأسها كرأس السباع ولها خرطوم كخرطوم الفيل، وفي يد كل واحدة منها ثلاثة أحجار، ورمت وأبقت واحدًا ثم طار الطير فوق رأسه حتى وصل إلى الملك وبعدما نقل الخبر ضربه فمات أو قطع جسد هذا الشخص إربًا إربًا أو كانت تنزل الحجارة على رأس الرجل وتخرج من دبره وأمثال ذلك كثير.
"محمد عبده" يريد أن يعطي طابعًا علميًا لهذه الواقعة ويريد أن يفسر بأن الطير هو ما يطير، وقد يكون الطير مثل الطيور المعروفة، وقد يكون الطير مثل الجراثيم التي تطير في السماء. ولعل في هذه الواقعة بالذات ظهر نوع من الوباء، فأدى إلى هلاك الجماعة وتفتت أعضائها، فأدى إلى موتها جميعًا، والوباء معروف يأتي ويروح. ويستندون في ذلك إلى بعض الروايات الواردة التي تقول أن في عام الفيل ظهر لأول مرة في تاريخ الجزيرة وباء الجدري. فكان الجيش يُبتلى في تغير ألوان بالجسد، وتجدر أجسادهم، ثم يموتون نتيجة لهذا الوباء، هذا رأي "محمد عبده".
ولكن حسب ما قلت في أول الكلام الطير مفهوم واضح عند العرب، فلو كان موت جيش "أبرهة" لا عن طريق وجود طيور مشهودة ورمي حجارات مشهودة لما كانوا يصدقون ما يقول لأنهم ما كانوا يعرفون الجراثيم إلا في الأيام الأخيرة، أيام "باستور"، فهؤلاء لو كانوا شاهدوا الوباء والنبي يقول: ﴿وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل﴾، كانوا يقولون يا "محمد" هذا غير صحيح. فهذا ينافي هذا التفسير، وبصورة أساسية نحن لا يجوز لنا أن نكون غيبيين خرافيين أكثر من نصوص القرآن، ولا أن نكون منطقيين عقلانيين أكثر من نصوص القرآن. لا إفراط ولا تفريط، نحن نقول أن القرآن الكريم يشهد بثبوت المعجزات، المسيح تكلم في المهد، والطفل لا يتكلم في المهد، فهذه معجزة: ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا * وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا﴾ [مريم، 30-31] إلى آخر السورة، هذا كلام المسيح وهو في المهد.
هذا نستطيع أن نفسره، هذا على الطريقة المنطقية العقلانية؟ لا يمكن. أو إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لا يمكن تفسيره بالصورة العلمية أبدًا. فإذًا، قضية المعجزة وحدوث الخوارق أمر مفروغ منه في القرآن. أو قضايا كثيرة، كقضية "إبراهيم" ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيًا﴾ [البقرة، 260]، أو قضية عصا "موسى" أو قضية ناقة "صالح" وكل هذه القضايا الموجودة في القرآن غيبيات معجزات. ونحن نؤمن بالمعجزات إيماننا بالصراط وإيماننا بالقرآن وإيماننا بالأنبياء. ثم لا تتنافى المعجزات مع المبادئ العلمية أبدًا، لأن العلم الحديث يستند على التجربة، والتجربة هي مراجعة النظائر والأمثال، بعد التجربة يأتي دور القانون، والقانون العلمي مثلًا يقول كل شيء يتمدد بالحرارة، وهذا ينطبق على كل شيء، ولكن العلم الحديث يقول الحالات الشاذة في الأمور لا تتنافى مع القوانين، يعني يقول: يمكن للحديد أو كل شيء في مليون حالة يتمدد إذا ما تمدد في حالة واحدة شاذة فهذه الحالة لا تنال من قيمة القانون ولا تمنع من وجود قانون علمي. هذا الرأي رأي مطول لا إحاطة لي بجميعه ولكني قارئ بعض الشيء عنه.
يقولون أن في جميع القوانين الكونية الثابتة العلمية هناك حالات شاذة والعلم لا يعرف سبب شذوذ الحالات في حالة من ملايين من الحالات. فالمعجزة لو افترضناها أنها خارقة للقوانين الطبيعية، يعني خارقة للقوانين الجارية، فلنعتبر المعجزات من الحالات الشاذة التي تتفق في الكون، والتي لا يتمكن العلم من التنكر لها، وإنما لا يتمكن من تفسيرها. فالمعجزة لا تتنافى أيضًا مع الرأي العلمي، وإنما طبعًا لا يعترف بالمعجزة إلا إذا تأكد وثبت من وقوعها. فنحن لا يجوز أن نكون مفرطين ولا مفرِّطين في المسائل الغيبية... نتنكر لها كلها.
كان لنا صديق في "صور" قبل ثلاث سنوات، فكان يكتب بحثًا مسهبًا، وفي خلاله كان يحاول أن يفسر جميع الآيات المعجزة في القرآن تفسيرًا علميًا حسب مقاييس عصرنا، والحقيقة أن هذا نظرة غير صحيحة، لأن العلم حينما نقول يعني مدى ما وصل إليه البشر في هذا العصر، نحن لا نتمكن أن نحدد جميع الكائنات في إطار العلم الموجود الذي هو من صنع البشر. ولعل الإنسان في المستقبل يطلع على أشياء وأشياء لا يطلع عليها في هذا الوقت. فالمنافي للعلم، أو ما يتنافى مع العلم، أو منافٍ للعقل، أو لا يتنافى مع العقل هذه كلمات محدودة، عقل يعني ما وصل إليه فكر البشر وإدراك البشر في هذا الوقت. العلم يعني ما وصل اليه إدراك البشر وتجارب البشر، كيف نقدر أن نحدد كل الموجودات؟ إذًا، إدراكاتنا ضيقة. لا يجوز لنا أن نَفْرط ولا أن نُفرّط في تفسير المعجزات.
فلنرجع إلى صريح الآية التي تقول: ﴿ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ * وأرسل عليهم طيرًا أبابيل﴾، بالفعل طيور تدفقت فرقة بعد فرقة جاءت ورمتهم ﴿بحجارة من سجيل﴾ و﴿جعلهم كعصف مأكول﴾. نتيجة لهذه الصخور الصغار التي يتحمل الطير حملها، ضَرَبَها ولا شك أن هذه الضربات الكثيرة تتمكن من القضاء على البشر. أنتم تعرفون حملة الجراد، الجراد حشرة صغيرة، ولكن حينما يهجم بالملايين يأكل الأخضر واليابس، ويقضي على البشر، ويقضي على الحيوانات، ويقضي على النباتات كلها. فالكثرة تعوض عن الضعف بالطير أو بالحجارة، فعددها كان كثيرًا، فضربت فنزل على هذه الجماعة وابل من الحجارة ومن السجيل فقتلها. ثم يمكن أن نقول أنه نتيجةً للضربات على الفيل ثار الفيل أيضًا والفيل هجم عليهم وحطمهم تحطيمًا، القرآن لا ينكر ذلك ويقول أنه نتيجةً لضرب الحجارة حصلت هناك حالة العصف المأكول، ماتت الجماعة... ورجعت. وعزز الله بيته وأصبحت قريش معظمة مكرمة بين العرب بالرغم من وثنيتهم وطغيانهم وانحرافهم عن الله، وذلك لأمر كان الله مقدره في المستقبل.
فإذًا، هذه القطعة من الآية نفهمها كما هي واردة في صريح القرآن، بقي أمامنا الجزء الثاني أو السورة الثانية، وهي سورة قريش.
والسلام عليكم.