* تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات، (د.ت).
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرٍ * سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر]
صدق الله العظيم
هذه السورة وصف لنزول القرآن الكريم وتأثير القرآن الكريم على تاريخ البشر وعلى حياة الإنسان في كلّ مكان. ويقول المفسرون في شأن نزول هذه السورة أن النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجد في المنام، أو بشيء من الإلهام، أحسّ أن الخلافة بعد وفاته ستصبح بيد بني أمية. بنو أمية الخلفاء الذين حكموا بعد رسول الله وبعد خلافة الخلفاء الأربعة الأُول، ابتدأهم معاوية أول الخلفاء الأمويين. ويقول المؤرخون إن الخليفة عثمان أيضًا كان له نسبة أو ارتباط بهذه الأسرة. ولكن المهم في أيام الخليفة عثمان أن الأمر كان بيد صهره مروان، ومروان بن الحكم هو كان حاكمًا، ولهذا بعض المؤرخين يعتبر أن حكم بني أمية بدأ من أول خلافة عثمان؛ وعثمان أيضًا منهم وعلى كلّ حال سواء أكان أم لم يكن، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحسّ بأن الخلافة ستصبح بيد بني أمية.
وفي شكل هذه الرؤيا هناك خلاف في التفاسير أنه كيف وجدهم [يحكمون مكانه]؟ ولكن لا خلاف في أصل الموضوع، موجود في تفاسير الشيعة وموجود في تفسير "الدرّ المنثور" لـلسيوطي وفي تفاسير أخرى، في جميع التفاسير الموجودة عند مختلف فرق المسلمين موجود هذا المبدأ أن رسول الله وجد أن بني أمية سوف يحكمون بلاده ويصعدون منبره، فحزن لذلك كثيرًا فنزلت هذه السورة المباركة.
أولًا، لماذا رسول الله حزن من حكم بني أمية؟ هل لأجل المنافسة التقليدية التي كانت بين بني هاشم وبين بني أمية؟ طبعًا لا. لأن الإسلام قضى على التعصب العائلي والتعصب القبلي والتعصب العنصري، واعتبر أن الخلق سواسية كأسنان المشط و"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، ولا لأبيض على أسود، ولا لأحمر على أبيض وهكذا.
قبل الإسلام كان الخلاف بين بني أمية وبني هاشم، خلافًا عنيفًا. ولكن هذا الخلاف سواء أكان الحق مع بني هاشم أو لم يكن، بعد الإسلام النبي ما كان يحمل هذا الخلاف أبدًا على أيّ وجه من الوجوه. وبالعكس، كان يعتبر أن الجنة لمن أطاع الله، والنار لمن عصاه مهما كان السبب، ومهما كانت القبيلة. ولهذا تجد في القرآن يذكر بصراحة اسم عمه ﴿تبت يدا أبي لهبٍ وتب﴾ [المسد، 1]، أبو لهب عم النبي، ما فكر أن هؤلاء بني هاشم لا يجوز سبهم أو لا يجوز ذمهم في القرآن، ولكن من بني أمية ما ذكر اسم أحد في القرآن تأكيدًا بأنه لا يفرق بين بني هاشم وبني أمية إلا من جهة التقوى.
فإذًا، رسول الله ما حزن لأجل الخلاف والكراهية بينه وبين بني أمية، بل لأن بني أمية كانوا يتصورون أن الإسلام وسيلة لتحكم الهاشميين، وأن الإسلام لعبة جاء بها رسول الله حتى يحكم، حتى يملك. وسيلة للحكم وللسلطان ولهذا يقول يزيد في شعره:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل[1]
ولذلك حينما مات الخليفة عمر بن الخطاب وحكم عثمان وصار خليفة، ذهب أبو سفيان إلى مقابر قريش، إلى قبر حمزة وأشار إلى قبر حمزة وقال: قم يا أبا عمارة فالذي كنت تحاربنا عليه قد أصبح لعبة بيد صبياننا. ولهذا عندما أخذوا أبا سفيان في فتح مكة وأوقفوه في الممر المضيق، وكانت كتائب الإسلام تمر من أمامه قال لـعباس: يا عباس لقد علا ملك ابن أخيك... كانوا يفكرون أن الإسلام وسيلة للحكم، وسيلة للتحكم في رقاب الناس، ليس دينًا ولا رسالة ولا مبادئ، وسيلة للحكم والحكومة.كان هذا المعنى في ذهنهم، يعني كانوا حاقدين على الإسلام، فرسول الله كان يفكر أنه إذا حكموا وسيطروا على الخلافة فسوف يحرفون الدين، فسوف يضيّعون ويفسدون من الداخل، وهل هناك خطر أكثر من أن عدو الإنسان يدخل في بيته؟ والحقيقة هكذا كان، يعني حاولوا بكلّ ما عندهم من قوة... إذا استعرضنا تاريخ بني أمية نجد أنهم حاولوا بكلّ ما عندهم من القوة أن يقضوا على الإسلام. قتلوا المسلمين الأبرياء مثل حجر بن عدي مثل عمر بن حمق، النفي والتشريد كانوا يستعملونهما بكلّ سهولة. غيّروا الخلافة إلى الملك أيام معاوية، حولوا بيت المال، بيت مال المسلمين إلى مال خاص للملك، كوَّنوا جيش المرتزقة مع أن الجيش الإسلامي ما كان جيشًا مرتزقًا، كان رسالة وكان واجبًا، وواجب كلّ مسلم أن يكون في الجيش في وقت الحاجة. أباحوا أعراض الناس وتصرفوا تصرفات شاذة. قتلوا الإمام الحسين، أغاروا على المدينة وقتلوا فيها مقتلة كبيرة في أيام يزيد. حاولوا هدم الكعبة، هتكوا حرمة المسجد... هذا الوليد بن عبد الملك بعث جارية مومس صلت صلاة الصبح بالناس، ضرب القرآن بالنبال في قصة معروفة. هذه المسائل مسجلة في تاريخ بني أمية بشكل واضح، ووصلوا إلى درجة أعلنوا وكشفوا عن وجههم:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل[2]
فإذًا، بنو أمية كانوا في نيّة اللقضاء على الإسلام، والنبي تأثر جدًا بأنه كيف هذا التعب وهذا الجهد وهذه المشقة وهذا الأذى الذي تحمله في سبيل الدعوة، كيف يزول كلّه؟فبعدما حزن نزلت هذه السورة المباركة. وخلاصة السورة حسب هذا التفسير أنه يا رسول الله لا تحزن، صحيح أنهم يحكمون ألف شهر، ألف شهر يعني ثمانون سنة ونيفًا، ألف شهر يحكمون ولكن لا يتمكنون من القضاء على رسالتك، دينك باقٍ وإن أرادوا القضاء عليه، ولهذا، الآية الكريمة هكذا تقول: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ نحن أنزلنا القرآن في ليلة القدر، ما هي ليلة القدر؟ نفهم من ضم هذه الآية للآية الثانية التي تقول: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة، 185]، نفهم من آيتين أن ليلة القدر في شهر رمضان، ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ وفي سورة ثانية يقول إنا أنزلناه في شهر رمضان: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، فإذًا، ليلة القدر في شهر رمضان. ليلة القدر، لماذا ليلة القدر؟ لأن ليلة القدر قُدِّرت فيها وحُددت فيها الأحكام بواسطة القرآن، وُضِعت حدود للحلال والحرام، تعين كلّ شيء، تبينت معالم الهداية وطرق الضلال.
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر﴾، هذا تعظيم، ﴿ليلة القدر خيرٌ من ألف شهرٍ﴾، هذه الليلة أحسن من ألف شهر، أيام حكم بني أمية. ماذا يعني أحسن؟ يعني تأثير هذه الليلة على التاريخ وعلى حياة الإنسان أكثر من تأثير ألف شهر يعني كلّ ما عملوا خلال ألف شهر أو ثمانين سنة هذه الليلة تقضي على كلّ أعمالهم. لا تحزن. هذا أصل الموضوع: ﴿ليلة القدر خيرٌ من ألف شهرٍ﴾.
هناك قبل أن ندخل في وصف ليلة القدر بحث آخر، هذا البحث حول كلمة نزول القرآن ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، فإذًا، القرآن نزل في ليلة القدر. ﴿إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ﴾ [الدخان، 3]، بسورة أخرى، ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة، 185] في سورة أخرى. فإذًا، القرآن نزل في ليلة واحدة، مع أن الآثار والتواريخ تثبت بأن القرآن نزل في خلال ثلاث وعشرين سنة طوال حياة النبي.
النبي صار عمره أربعين سنة، بدأ القرآن ينزل ابتداءً من السورة التي سوف نقرأها بعد هذه السورة: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق، 1]، أول آية نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم استمر الوحي إلى آخر حياة رسول الله، ثلاث وعشرون سنة، القرآن كان ينزل بالتدريج، كيف القرآن يقول: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ونحن نعلم أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة، هنا بحث بين المفسرين، قسم منهم يقول: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يعني إنا بدأنا بالإنزال، يعني في هذه الليلة الأولى نزلت ثم استمرت إلى آخره يعني قالوا: القرآن نزل بالتدريج خلال ثلاث وعشرين سنة لكن بدء النزول كان في ليلة القدر، هذا وجه جمع.
قسم منهم قال لا، آخر القرآن نزل في ليلة القدر، اكتمل القرآن، الإنزال الكامل حصل بهذه الليلة. بعض التفاسير التي تستند إلى الروايات تقول في ليلة القدر كان يعاد نزول القرآن الذي نزل خلال سنة، يعني مثلًا، من أول هذه السنة لآخر هذه السنة كلّ ما كان ينزل من القرآن آيات ووحي، كان في ليلة القدر تكرر جميع هذه الآيات على قلب رسول الله حتى يطبق ما عندهم بالوحي حتى لا يصير أخطاء، أو يكون زلل بالنسبة لهذا الموضوع.
فإذًا، في خلال ثلاث وعشرين سنة، كلّ ليلة من ليالي القدر يعني ليلة السنة كلّ ليلة كان يكرر كلّ هذا الشيء، وهذا بمقتضى بعض الروايات أنه كان ينزل القرآن الذي ينزل في خلال سنة ينزل أيضًا ليلة القدر للمرة الثانية، وهذا أيضًا رأي.
رأي آخر والرأي الذي يرتأيه أستاذنا محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير "الميزان" يعتقد أن القرآن له نوعان من النزول، نوع دفعي ونوع تدريجي، والقرآن يسمي النوع الدفعي بالإنزال، ويسمي النوع التدريجي بالتنزيل. ولهذا القرآن أحيانًا يستعمل ويقول: ﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ [النحل، 89]، ﴿ونزلناه تنزيلا﴾ [الإسراء، 106]، وأحيانًا يستعمل كلمة أنزلناه، الإنزال: النزول الدفعي، والتنزيل: النزول التدريجي. ويستند إلى بعض مصطلحات عند العرب، وإلى بعض الشعر وإلى بعض مصطلحات باب التفعيل وباب الأفعال حتى يثبت هذا المبدأ فيقول: إن القرآن نزل دفعة واحدة في ليلة القدر على قلب النبي، فالنبي عرف كلّ شيء وأصبح نبيًا، ثم هذا القرآن الذي هو كان يعرفه ما كان مكلفًا بقوله وقراءته للناس. كان يُنَزَّل القرآن تنزيلًا يعني آية آية فيكلف بالقراءة، مفهوم؟ مثلما أنت تعطيني هذا الكتاب وتقول لي احفظه عندك، ثم في اليوم الثاني عند الصبح تقول لي اقرأْ قسمًا منه للناس، وهكذا.
فالقرآن نزل على رسول الله دفعة واحدة، ثم كان يكلف في مناسبات ومقابل الأسئلة، كان يكلف بالجواب بنزول آخر في شكل التنزيل. مفهومة هذه العبارات؟ العبارات واضحة؟ وكان يستند أستاذنا إلى بعض الآيات القرآنية التي كانت تشير إلى أن النبي كان يعرف القرآن قبل القراءة: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه، 114]، ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة، 16-18]، ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ [طه، 114] آية أخرى.
إذًا، من هذه الآيات يبدو أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يعرف القرآن، لكن ما كان مكلفًا بإلقاء هذه الآيات وبتوضيح هذه الآيات إلا بعد الأمر. فإذًا، القرآن له إنزال دفعة واحدة، وله تنزيل بالتدريج. ومما يؤيد هذا الرأي بعض التفاسير وبعض الروايات اللتين تقولان إن القرآن نزل في ليلة القدر إلى البيت المعمور، أو إلى السماء الدنيا، أو إلى المراحل التي يُعبِّرون عنها بالمراحل التي هي قريبة إلى ذهن المستمعين، والحقيقة أنه كان النزول على قلب النبي الذي هو السماء الدنيا، بالتعبير الأدبي. لكن نتمكن أن نقول باعتبار أنه قمة التفسير البشري لأن الإنسان جسمه، أرضه، وفكره، سماؤه، أليس كذلك؟ الإنسان طموحه وتفكيره وأفكاره هي التي فوق الإنسان، والإنسان يتوجه إليها، وقمة الفكر البشري محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذًا، سماء الدنيا ممكن يُعبِّر عنها بسماء الدنيا. يعني نزل القرآن الكريم على الأرض من القمة في هذا الوقت، وبالتدريج بدأ يقدم للناس وأمثال ذلك.
على كلّ حال، أنا عرضت هذا الرأي كرأي ولا شكّ أنه أيّ واحد لا يتمكن أن يؤكد ما هي الحقيقة وأنتم بإمكانكم أن تدرسوا الموضوع وتتخذوا رأيًا ما في هذا السبيل.
فإذًا، ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، أنزلناه ونزلناه، أنزلناه إما معناه أول آية أو معناه آخر آية أو معناه كلّ سنة مرة أو معناه الإنزال والتنزيل بالدفع التدريجي والنزول الدفعي. ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ لا شك أنه ضمير (إنا أنزلناه) يكون فيه تعظيم، لأن الضمير قد يستعمل في التعظيم لا نسميه، ولكن نقول: هو جاء، جاء الرجل، جاء. الضمير مع أنه غير مذكور بالآية اسم القرآن بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، أين كلمة القرآن؟ نوع من التعظيم والتفخيم، ﴿في ليلة القدر﴾، ما هي ليلة القدر؟ حسب ما قلنا ليلة القدر يعني ليلة نزول القرآن باعتبار أن في ليلة نزول القرآن قدر كلّ شيء وتحدد كلّ شيء وتبينت معالم كلّ شيء واتضحت طرق الهداية والضلال.
بناءً على هذا نحن لماذا نحتفل بليلة القدر كلّ سنة؟ باعتبار أنها أعظم ليلة في تاريخ الإنسان، ليلة تبين كلّ شيء، ولهذا نحتفل بها احتفالنا بيوم مولد النبي، أو بعيد الأضحى، أو بعيد الفطر. هذا معناه. ولكن ظاهر كثير من الروايات أن ليلة القدر مستمرة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لو كانت ليلة القدر ليلة نزول القرآن فقط كانت انتهت بانتهاء النبي، لكن ظاهر الروايات أن هذه الليلة مستمرة حتى بعد رسول الله، ولهذا يجب أن نعطيها تفسيرًا آخر غير هذا التفسير، أو نعطي تفسيرين، لا يمنع يكون كلا التفسيرين موجودين لأن الوجه الأول ليس فقط يفهم منه الآية: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، يفهم من آية أخرى ﴿حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمرٍ حكيمٍ * أمرًا من عندنا إنا كنا مرسلين * رحمةً من ربك انه هو السميع العليم﴾ [الدخان، 1-6].
﴿إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ﴾ [الدخان، 3]، وصف لهذه الليلة: ﴿إنا كنا منذرين﴾ [الدخان، 3]، يعني في هذه الليلة أنذرنا البشر من الأخطاء والانحرافات والضلال في هذه الليلة: ﴿يفرق كل أمرٍ حكيمٍ﴾ [الدخان، 4]، أي أمر حكيم أي أمرٍ محكم؟ ﴿أمرًا من عندنا﴾ [الدخان، 5]، الأمور التي هي من عندنا، أي الأمور التي هي من عند الله؟ الأحكام الشرعية، لأنه قرنها بـ ﴿إنا كنا مرسلين﴾ [الدخان، 5] و﴿إنا كنا منذرين﴾ [الدخان، 3]، وهكذا: ﴿رحمةً من ربك انه هو السميع العليم﴾ [الدخان، 6]. وهذه الآية صريحة بأنه في هذه الليلة التي يعبر عنها القرآن بالليلة المباركة، الأحكام الإلهية تحددت فتكون شبيهة بيوم الدستور، أو يوم الإستقلال عند الشعوب والأمم. هذا التفسير حقيقي لكن يمكن أن يكون له معنى آخر، هذا المعنى الباقي بعد رسول الله لأنه لو كان هذا المعنى كان ينتهي بانتهاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ولهذا المفسرون حاولوا أن يجدوا معنى آخر لليلة القدر، بلا شك أن تفسير ليلة القدر، إما للقيمة العظيمة التي لها القدر، أو للتقدير والتحديد الذي يتحدد في هذه الليلة بالنسبة لتبيين الحلال والحرام.
أما المعنى الثاني في هذه الليلة فهو هذا المعنى الشائع الذي يقول أن في ليلة القدر يستجاب الدعاء، تكتب الأعمار والأرزاق، وتحدد سعادة الإنسان وشقاء الإنسان، وهناك روايات كثيرة باستجابة الدعاء، وبأن إدراك ليلة القدر، والسعي لإدراكها له أثر كبير في حياتنا وسعادتنا، هذا المعنى الثاني الذي يقال.
الحقيقة بهذا الشكل من المعنى الشائع عند الناس، لا شك أنه إذا ورد فيه روايات نحن نخضع لهذا المعنى، ولكن بإمكاننا أن نوجه ونوضح هذا المعنى بشكل آخر يكون أقرب إلى الطرق الإسلامية في التفسير، وأقرب إلى الروايات، وفي نفس الوقت أقرب إلى المنطق. باعتبار أنه دائمًا الإنسان يفكر أن الأعمار والأرزاق ليست ناتجة عن مصير الإنسان في ليلة واحدة، اليوم شخص يموت لأمراض أو لمرض أعتق من هذه الليلة، ربما أسبابه من أربع أو خمس سنوات أو أربعة أو خمسة أشهر سبب له وفاته، ما مات لأجل حادث في هذه الليلة؛ الأرزاق، اليوم كلّ واحد منا يعيش، لا نعيش.
بل نعيش على أساس أشغال قديمة، بدأنا بالهجرة أو بالدراسة أو بالأعمال، من مدة طويلة اشتغلنا والآن نصل إلى نتيجة لهذه النشاطات التي عملناها. السعادة والشقاء، ليس أن الإنسان خلال هذه الفترة شقي ودفعة واحدة يتحول إلى السعادة، أو دفعة واحدة يتحول إلى الشقاء، هذا يبدو بعيدًا من ذهن الإنسان، ولهذا يجب أن نعطيه تفسيرًا معقولًا، وفي نفس الوقت لا نخرج عن الإطار المتناسب للمعنى القرآني وللمعنى الإسلامي فيه.
ولهذا أنا أذكر معنيين، المعنى الأول يعود إلى موضوع استجابة الدعاء، وسوف أتكلم إن شاء الله في الليلة القادمة عن الدعاء واستجابة الدعاء وتأثيره في حياة الإنسان. والمعنى الثاني يعود إلى معنى الصيام، أن الصيام هو الذي يقرر مصير الإنسان؛ والصيام يكتمل وينمو في العشر الأخيرة، أو في السبع الأخيرة، وفي الحقيقة أن الصيام هو سر ليلة القدر وباعث ليلة القدر وسبب وجود ليلة القدر في داخل رمضان.
وهذا الذي يفهم من الآيات التي تربط بين الصيام وبين القرآن: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة، 185]، وفي آية الصيام ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة، 183]، في هذه الآيات حينما يذكر القرآن موعد الصيام ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة، 185] دائمًا يقرن شهر رمضان بنزول القرآن، حتى يربط بين نزول القرآن وبين الصيام. هل هناك من علاقة ورابطة، هذا الشيء الذي نذكره إن شاء الله في الليالي القادمة.
الليلة نكتفي بهذا المقدار باعتبار أن سورة ﴿إنا أنزلناه﴾ من أهم سور القرآن، وكانت تقرأ في أكثر الصلوات التي كان يقرأها أئمتنا، سورة ﴿إنا أنزلناه﴾ كانوا يهتمون بها كثيرًا ولهذا سوف نفصل في تفسيرها في مناسبة ليلة القدر.
غفر الله لنا ولكم.
_____________________
[1] - الاحتجاج، ج2، ص307.
[2] ن.م.