قوة الإيمان

الرئيسية صوتيات التفاصيل
calendar icon 31 كانون الثاني 1970 المؤلف: موسى الصدر

أيُّها الأخ الكبير،
أيُّها الحفل الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله،
كنت أتمنى أن أملك قلمًا يعبِّر عما في قلبي من الشعور بالتقدير والوفاء بالنسبة إليك، وكنت أحلم بكلمة تحتوي على هذه الأحاسيس وهذه الاقتناعات، ولكن إذا لم أتمكن من أن أستعير قلمك لأقرِّظ به ذاتك وأدبك، فإني سوف لا أخرج عن إطار اختصاصي، وسأتحدث في نقطةٍ نيرةٍ في حياتك المشرقة.
هذه النقطة التي على الرغم من بساطتها ترتكز على نقاط ثلاث، انتقيت من آثارك النقطة البسيطة الوحيدة التي أتحدث عنها في هذه الليلة نقطة الإيمان. ترتكز هذه النقطة في حياة عزيزنا المحتفى به على نقاط ثلاث:
النقطة الأولى والركيزة الأولى ما ورد في هذا البيت:
إن حظي من الحياة سرير                                     صرت منه فلم يعد خشبيًّا
نقف لحظة عند هذا التعبير، هذا السرير الذي احتضن شاعرنا سنوات وسنوات وأُجريت له عليه عمليات وعمليات. هذا السرير الذي كان حظ شاعرنا الوحيد من الحياة على الرغم من أنسه به والتزامه له ومصاحبته معه، ما تمكن هذا السرير أن يجعل بولس سلامة خشبيًّا، بل بولس سلامة المريض جعل «السرير لم يعد خشبيًّا».
ولا أدري لماذا يقول:
إن حظي من الحياة سرير     صار مني فلم يعد خشبيًّا
ما عدتَ منه وما صرتَ منه وإنما جعلتَ السرير منك. وهكذا الأحياء، يقول عليٌّ نموذجك في المثل، وقائدك في الكفاح في تحديده للموت والحياة: الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين. لا أفهم من كلمة القهر الغلبة على العدو، وإنما أفهم من هذه الكلمة التأثير والقهر على العدو وعلى البيئة، أليس في هذا مقياس لتصنيف الحالات بين الحياة والموت؟
فالميت لا يعطي ولا يؤثر ولا يقهر عدوه وصديقه بعيده وقريبه. الميت لا يؤثر فيما حوله، بل ما حول الميت يؤثر على الميت من شمس أو برد أو جرثومة أو رطوبة، أما الحي فهو الذي يؤثر على ما حوله ويقهر ما حوله من بيئة أو أعداء.
فإذًا، كونك تجعل السرير إنسانيًّا، فهذه هي الحياة، ولو لفتك أجنحة من الموت عُدت بأربع وعشرين عملية جراحية، فأنت على الرغم من كل هذا جعلت السرير حيًّا.
نعم، أيُّها الإخوة الأعزاء،
الحياة أن نجعل بيئتنا متأثرة بنا لا أن نخضع لتيار البيئة ولفساد المجتمع، ونساير ما حولنا من الأوضاع الشاذة والفاسدة. فالمطلوب منّا أن نكون أحياء وإذا كنا أحياءً فسوف نؤثر في مجتمعنا، نعطيه حتى ولو كنا أمواتًا.
فما أكثر الذين قدموا لمجتمعاتهم، وأثروا على مجتمعاتهم، وطوروا مجتمعاتهم بعد موتهم، أياديهم كانت تمتدُّ من سرير المرض ومن فراش الموت ومن تحت التراب لكي تطور المجتمع وتغير البيئة. هذه هي الحياة الحقيقية وذلك هو الموت الحقيقي. وعلى هذا الأساس فالحي لا يخاف من المرض ولا من الموت، لأن الموت يأخذ منه أنفاسًا، وهو يأخذ من الموت أسلحته، فلا يسمح الإنسان الحي أن يجرده الموت من عطائه وأن يحوله إلى الجمود، بل الإنسان الحي يتمنى الموت كما كان يتمناه سيدك علي حينما كان يقول: والله إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه. ويقول الحسين: خُطَّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة. وكنت تقول:
يا موت يا حلم الخيال النائي                         يا صبح آمالي وحلو رجائي
نعم! الموت رجاؤك ورجاء كل حي، لأنه يؤدي رسالته ويستقبل وجه ربه.
ما هو رصيدك للتغلب على مصاعب الحياة وللسيطرة على سريرك وعلى بيئتك غير إيمانك؟ الإيمان الحقيقي الذي يجعل الأمل دائمًا مفتوحًا، فالإنسان الذي يعتمد على الوسائل العلمية، والإنسان الذي يفتش عن حياته في الطب والعلم، ويفتش عن سعادته في مساعيه وفي نشاطاته يقف في ساعة يائسًا منقطع العمل ومنقطع الأمل، لأن الحد والنسبية يتحكمان بالوسائل المادية التي هي بيد الإنسان. أما الإنسان الذي يعتمد على الله ويعيش إيمانه به، ويفتش عن سعادته في هذا الإيمان، فلا ينقطع عنه الإيمان ولا ينقطع عنه الأمل.
والعظمة هذه هي، عظمة الإيمان، ذلك الإيمان الذي قد وضعته في محله وأعطيته دوره الحقيقي في أعلى وأسمى كلمة وأغلى إنتاج صدر منك، حينما قلت جوابًا لمن دعاك إلى الاستشفاء بالقديسين وإلى التوسل بالأدعية قلت لهم: يا رب إن شُفيت فلن يزيد إيماني بك وإن لم أُشفَ فلن ينقص.
قد يجد العاذلون في هذا الموقف وفي هذه الكلمة نقصًا في إيمانك، ولكني أؤكد لك أن هذا هو إيمان الأنبياء والصلحاء.
أقولها كلمة مسؤولة، فالخطأ الذي حصل في تحديد موضع الإيمان هو الذي جعل الإيمان مهزوزًا في نفوس الكثيرين من الناس. أرادوا أن يجعلوا الله بدلًا عن الطبيب، أرادوا أن يجعلوا الإيمان بالله بدلًا عن الرصاص، أرادوا أن يجعلوا الله بدلًا عن السعي والمحاولات، أرادوا أن يجعلوا الله بديلًا عن الكدح والتعب والسعي وتسبيب الأسباب. كان مريضًا فبدلًا من أن يتوسل إلى الطبيب توسل إلى الله، فهل الله «أسبرو» حتى يعالجك؛ أرادوا النصر فتوسلوا إلى الله، فهل الله رشاشًا أو طائرةً أو خططًا حربية؛ أرادوا الغنى فتوسلوا إلى الله أن يغنيهم؛ وأرادوا نجاح الزراعة فتوسلوا إلى الله وطلبوا منه الخصوبة.
هل الله البديل عن هذه الأشياء وعن هذه الأسباب؟ وهل الأسباب العادية من أدوية ووسائل وأسباب غير صنع الله؟ ألا يعالج الله الأمراض بخلقه الأدوية؟ ألا يهدي الله البشر إلى طريق النصر عن طريق التفكير والسعي والاتفاق: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال، 60]، نعم أرادوا أن يجعلوا الله بدلًا عن الأسباب ففشلوا واهتز إيمانهم.
أما أنت إذا شفيت فبسعي البشر وبوعي الطبيب وبقوة الإرادة وبالأسباب العادية، فلن يزيد إيمانك ولا العكس. وهناك حالة عكسية، هناك أناس وأكثرهم من الشرق، جعلوا الله والإيمان به بدلًا عن السبب والتحرك والنشاط. وهناك أناس، وأكثرهم من الغرب، قاموا بعكس هذه العملية؛ فجعلوا العلم بدلًا عن الله، والصناعة بدلًا عنه، أنكروا المطلق، ثم اهتزوا وضعفوا وارتجفوا، وشعروا بالقلق. ففتشوا في العلم عن الله، وفي الصناعة والتكنيك عن الله، وفكروا أن بإمكانهم أن يجدوا آلة ينحتونها ثم يعبدونها. العلم الذي هو من صنع الإنسان والذي هو متكامل، أليس متغيرًا؟ وهل المتغير يؤدي إلى الاستقرار، المتغير مهزوز.
فالإنسان الذي يفتش عن الله في العلم أو في الصناعة يكون مهزوزًا دائمًا، ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد، 28]، ألا بالإيمان بالمطلق، نعم المطلق، يستقر الإنسان فلا يمكن وضع الله بدلًا وبديلًا عن الأسباب، ولا يمكن أن نستبدل الله بالأسباب العادية، فلكل شيء مكانه.
الإيمان له مكان، والله من وراء قلب المؤمن، الله صانع الإنسان وخالق الإنسان. والإيمان بالله صانع الإنسان، صانع الأمل، وصانع الطموح، وصانع الثقة، وصانع الرؤية الصحيحة إلى الكون وصانع الخط السليم في حياة الإنسان. يصنع الله الإنسان، ويصنع إيمان الإنسان بهذه الصفات ثم يجعله خليفة الله في الأرض، يتصرف في الكون حسب المخطط العام الذي يضعه الله. هذا هو الإيمان الصحيح والذي أكبره فيك إكبارًا تستحق أكثر من تكريمٍ كلامي.
هذه النقطة الثانية من ركائز إيمانك.
وهناك النقطة الثالثة التي أقرؤها في كلمتك الشهيرة: إن المسيحي الحقيقي الواسع الآفاق هو الذي يرى في القرآن ونهج البلاغة ما يكمل دينه، والذي تقول:
جلجل الحق في المسيحي حتى                      عُدَّ من فرط حبّه علويًّا
هذا هو الإيمان الصحيح لأن غير هذا أيها الإخوة، -ولنعدْ إلى أنفسنا، ولنعدْ إلى اعترافنا بالأخطاء وبالمحدوديات،- غير هذا ليس هو الإيمان الصحيح، لأن السبب في الإيمان بالمسيح وبالمسيحية، أليس السبب هو الإيمان بالمثل والقيم؟ أليس هو إيمان بما يمثله المسيح والمسيحية من قيم وأهداف؟
فإذا وجدنا الأهداف والمثل في أي شخصية أو أي شخص وما كرمناها وما كرمناه، فقد نقص إيماننا وتبين أن إيماننا وتكريمنا ذاك كان إيمانًا مشوبًا ببعض العنصرية والفئوية، وهذه هي الحقيقة عند كل الناس.
لماذا أيها الإخوة، نكرم الصدق في صديقنا، ولا نكرمه في غيره؟ لماذا نكرم الحق والعدل في عائلتنا أو في طائفتنا أو في منطقتنا، ولا نكرم القيم إذا صدرت من غير هذه الفئة؟ لماذا لا نحترم السمو والمثاليات والتجرد والقيم في فئة معينة أو في شخصية معينة، ولا نحترمها عند سائر الفئات؟
فالمسيحي الحقيقي، وزِدْ عن لساني أن المسلم الحقيقي، لا يكتمل دينه ولا يكتمل إيمانه إذا اقتصر في احترامه للقيم ولدفاعه عن الحق، وفي تحركه لأجل المدافعة عن العدالة، في زاوية معينة وفي فئة معينة وفي مكان معين.
الإيمان الكامل إيمان بالمطلق، والمطلق لم يلد ولم يولد، فالحق لم يلد ولم يولد، والعدل والعدالة والخير والجمال والعلم... كلها لم تلد ولم تولد. أي فردٍ تتمثل فيه القيم والحق والعدل فهو أهل للتكريم، وقلبك أنت مكان لتكريمه واحترامه.
هذه الركائز الثلاث التي أفسر إيمان عزيزنا المحتفى به الكبير على هذه النقاط الثلاث.
أولًا، حياته حتى جعل من سريره قطعة منه فلم يعد خشبيًّا.
وثانيًا، عدم وضع الله بدلًا عن الأسباب والمسببات.
وثالثًا، إطلاقه في التكريم وفي التقدير، أكرم هذه النقطة وأهني هذا البلد وأتمنى لك البقاء والشفاء والاستمرار وأتمنى لك البقاء الحقيقي، وهو نشر هذا النوع من الإيمان في أبنائك، أبناء هذا البلد الأعزاء.
والسلام عليكم.
____________________

* محاضرة للإمام الصدر بمناسبة تكريم الشاعر بولس سلامة في قاعة محاضرات وزارة التربية، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.

source
عدد مرات التشغيل:119